فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 105

وكذلك المدارس الصناعية والفنية التي تخرِّج العمال تعتمد اعتمادًا شديدًا على

التجارب الخاصة، فالعامل الأمريكي الآن هو مثال العامل الأوروبي في المستقبل فهو

في كل الصناعات رجل متعلم، وقد انقضى في العالم الجديد عصر ذلك العامل القديم

الذي كان لا يتجاوز علمه صيغًا ومناهج ومهارة يدوية وأسرارًا صناعية، وأصبحت

كل الصناعات تحقق الاقتصاد في الأيدي العاملة باستخدام الآلات الميكانيكية الراقية،

وأصبحت إدارة هذه الآلات المستحدثة أشدَّ حاجة إلى قوة العقل والأعصاب وسرعة

البديهة منها إلى قوة الجسم والعضلات، وقد أحدث رقيُّ الصناعة وتحولها السريع في

العمال المشرفين على العمل صفاتٍ عقليةً لم تكن لهم من قبل، وأخذت المدارس الصناعية

مع اختلافها تجتهد في ترقية هذه الصفات وتنميتها، والتعليم النظري فيها خاضع كما

في غيرها من المدارس لمناهج عملية، فالدروس الشفوية تعتمد على التمرين اليدوي الذي

يضيف إلى العلم بأصول الصناعة قوة الملاحظة ومهارة اليد والذكاء الصناعي، وليس

هناك أثر للتخصص إلا في ثلاث مدارس أو أربع، فالمدرسة تسعى في أن تنمي في العامل

القوة على التنفيذ، فهي تكون الرجل الكامل وتمنحه تعليمًا صناعيٍّا عامٍّا، وتقاوم بهذه

الطريقة ذلك الجهد المضعف الذي ينشأ عن تشابه العمل وتوزيعه، فإذا أردنا أن نحكم

على هذه المناهج بنتائجها فإن قوة الإنتاج الأمريكي تدل على أنها خير ما عرف الإنسان

من المناهج.

لن تجد وراء الأطلنطيق أثرًا من آثار هذه الأحكام الموروثة التي تمتهن العمل

اليدوي، وليس من الناس من ينظر إلى هذا العمل كأنه مهين أو مضيع للشرف، وليس

يظهر أن الأستاذ أو القاضي أعلى مكانة في نظر الناس من الوجهة العقلية من العامل

الذكي، وقد عرف الموظفون قيمة مكانتهم الاجتماعية منذ زمنٍ طويل، فإن عملهم في

الأسبوع ينتج لأحدهم خمسين إلى خمسة وسبعين فرنكًا، بينما يصل البنَّاء والنجار إلى

عشرين ومئة في الأسبوع، ولقد تجد العامل وراء كل أمريكي، فالأمريكي يحكم على

الرجل بكفايته في الإنتاج والإيجاد، وهو لا يصدق أن الشهادات تمنح صاحبها شيئًا من

الشرف العقلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت