فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 105

على أن مثلًا واحدًا قد استطاع أن يبقى لنا؛ وهو فكرة الوطن، فحول هذه الفكرة

نلتف وبهذه الفكرة نوجد ويجب أن نقويها ونبسط سلطانها على النفوس. ليس الإنجليز

في حاجةٍ إلى تقوية فكرة الوطن؛ لأنها ثابتة في نفوسهم، وفكرة الوطن هي التي أوجدت

ألمانيا القوية الضخمة. أما الأمريكيون فحظهم من هذه الفكرة ضعيف؛ لأنهم أمة ناشئة

تتجدد كل يوم بحكم المهاجرة؛ ولذلك يحرصون على فكرة الوطن فيقوونها وينمونها.

بينما رجال الجامعة عندنا يسخرون منها ويزدرونها؛ لأنهم يشكون فيها؛ ولأن المذاهب

الفلسفية والسياسية المختلفة قد استأثرت بعقولهم وصرفتهم عن كل فكرة لا تذعن

للعقل. ومع ذلك فإذا حرمنا الفلسفة التي تفسر لنا ضرورة هذه المثل العليا فخليق بنا

ألا ننسى على أقل تقدير أن الأمم لا توجد بدونها. وإذن فنقد الفكرة الوطنية والشك

فيها ليس أقل من أنه تعريض للوطن لخطر الحروب والغارات والثورات وانتظار قيصر

ليخلصه. كل هذه النكبات التي خُتم بها تاريخ الأمم الميتة.

ولقد قال «ريمون بوانكاريه» في خطبة له:

يظهر أن ريحًا خبيثة هبت منذ حين على بعض النفوس الفرنسية فمحت منها

ذكريات كنا نظن أنها خالدة. فقد ظهرت حتى في الجامعة عقول أفسدها نوع

من التصوف في حب الإنسانية، وظهر قومٌ لا يرون في العلم ذي الألوان الثلاثة

شعار وحدتنا الوطنية والرمز المقدس لآلامنا وآمالنا، وينطقون بألفاظٍ آثمة

ينالون بها الجيش. لعن لله هذه الفلسفة الكاذبة التي تستعيرها هذه الآثام

والجرائم تقترف على الوطن، فهي تتخذ الإنسانية وسيلة إلى ازدراء الشعور

الذي هو أشد الأشياء تأثيرًا في تطهير القلوب وتقوية الأخلاق ورفع القدر.

مصدر هذا الميل إلى ازدراء الوطنية واضح ولكنه غير شريف، والظمأ إلى انقطاع

المساواة وأن يمتاز بعض الناس من بعض، فإن أكثر أساتذة الجامعة قد خرجوا من

أدنى الطبقات فلما وصلوا إلى مكانتهم ونالوا شهاداتهم ظنوا أنهم ممتازون وأرادوا أن

يحتفظوا بهذا الامتياز، وألا تكون بينهم وبين طبقاتهم التي خرجوا منها مخالطة أو

امتزاج، وقد بيَّن ذلك» جورج جولو «في مقال نشره في مجلة العالمين وأثبت فيه أن من

أهم الأسباب التي تحمل الأساتذة والمفكرين على حب الإنسانية وبغض الوطن وازدراء

الجيش أن الخدمة العسكرية العامة تضطرهم إلى حياة الثكنات فيعاشرون فيها ناسًا

من العمال، وأهل الريف ليس لهم حظ من التفكير ولا الحياة العقلية الراقية فيؤلمهم ذلك

ويجرحهم. وإذ كان الآثم يجتهد دائمًا في أن يجد فعلة لإثمه فهم يتخذون الديمقراطية

وسيلة إلى حرب الديمقراطية، يزعمون أنهم يريدون تحرير العمال والطبقات الدنيا

بإلغاء الجيش، مع أنهم لا يريدون بذلك إلا أن يمتازوا وأن يسودوا، ومع أن آراءهم لو

انتصرت لذل هؤلاء الناس الذين يريد المفكرون أن يجعلوهم أعزاء. إن تاريخ الأمم التي

فقدت أوطانها لينبئونا بخطر الوطنية وعظم شأنها واشتداد الحاجة إليها، فلننظر إلى

البولونيين والإرلنديين وأهل إيناس وما يصيبهم كل يوم من ظلم الأجنبي وعبثه، وما

ينالهم من تعذيب ونفي وتشريد، فقد هؤلاء الناس أوطانهم ففقدوا الحق في كل شيء

حتى في أن يكون لهم تاريخ، وكيف تُكبِر الوطن وتعترف به إذا لم تُكبِر الجيش الذي

يدفع عنه ويحميه؟ نعم، إن التجنيد ثقيل يكلف كثيرًا من الأموال والمشاق في أوروبا،

ولكنه شيء ضروري وليس من سبيلٍ إلى الاستغناء عنه إلا إذا أَمِنا كل عدو. ما بالنا لا

نطلب إلغاء الشرطة؟ لأننا نعلم أنها إن ألغيت تعرضنا للسرقة والقتل وعبث العابثين

فذلك نفسه شأن الجيش، ولن نستطيع أن نستغني عن جيشٍ ما دام لنا أعداء لن ينزعوا

سلاحهم ولن يكفوا عن ترقبنا وتربص الدوائر بنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت