فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 105

قلت إن تعليم الأخلاق يستلزم الاجتهاد في تعويد الطفل أن يعمل الخير ويجتنب

الشر، لا في أن تلقى إليه الحِكم والمواعظ في دروسٍ لا خير فيها، ومع ذلك فإذا لم يجد

الأستاذ بدٍّا من إلقاء الدروس فليسلك في ذلك سبيلًا سهلة تلائم قوة الطفل، فيبتدئ

بدرس الأخلاق في عالم الحيوان، مبينًا للطفل أن الجماعة لا تكاد تأتلف حتى تكون

لها أخلاق وعادات، ومبينًا له كيف يستطيع الإنسان أن يروض الحيوان من الأخلاق

والعادات على من لم يألف.

ثم ينتقل إلى تاريخ الحضارة فيبين بواسطة هذا التاريخ كيف خرجت الأمم من

جهالتها حين كونت أخلاقها، وكيف عادت إلى هذه الجهالة حين فرطت في هذه الأخلاق.

ثم ينتقل من هذه الأشياء العامة إلى ما هو أخص منها فيبين أن الطفل فرد من الأسرة

محتاج إليها، وأن الأسرة جزء من الجماعة محتاجة إليها، وأن هذا هو أساس الحياة

الاجتماعية وأن حاجة الفرد إلى الجماعة أشد من حاجة الجماعة إلى الفرد، فالفرد مطالب

إذن بإكبار الجماعة أكثر مما تطالب الجماعة باحترام الفرد. 2

ليس مصدر السيادة الإنجليزية مذهبهم في التربية ولا أساطيلهم التي لا تحصى

ولا ثروتهم الضخمة، وإنما هو المثل الأعلى الذي اتخذه الإنجليز لأنفسهم في الحياة، فهم

أمة شديدة الحرص على عاداتها، شديدة الإكبار والطاعة لرؤسائها، ولها إله وطني قد

أكبرته وأذعنت له واحتكرته لنفسها احتكارًا، أصبح إله التوراة إلهًا إنجليزيٍّا لا يعمل

إلا للإنجليز ولا يرضى إلا عن الإنجليز. وقد وضع هذا الإله لشعبه أخلاقًا وقوانين تقرر

أن المنفعة الإنجليزية وحدها هي مقياس الخير والشر، وأن الإنجليز وحدهم هم الناس،

فأما مَن عداهم مِن الأمم والشعوب فقطعان لا قيمة لها.

والإنجليز حين يستعمرون البلاد البعيدة يسمعون لإلههم ويطيعون، وكذلك فعل

العرب حين انطلقوا باسم» محمد «يفتحون جزءًا عظيمًا من العالم اليوناني الروماني

ويكوِّنون دولة عظيمة الخطر في التاريخ. أمام هذه الديانات يجب أن ننحني مهما تكن

قيمتها الخاصة، فهي تكوِّن عظمة الأمم. 3

ليس للعقل أثر في تكوين السنن والمثل العليا، فإذ تعرض العقل لهذه السنن والمثل

العليا فلن يتعرض لها إلا بالنقد، وإذا وضعت هذه الأشياء موضع النقد فذلك الدليل على

أنها قد أخذت تنهار، ولم توضع سنن الإنجليز ومثلهم موضع النقد فهم لا ينتقدونها

ولا يشكون فيها. وللإنجليز إحساس خاص بالحقائق الواقعة؛ فهم يوفِّقون دائمًا بين

آمالهم وأطوارهم الواقعة، ومن هنا كانوا أقل الأمم اضطرابًا لما ينالهم من الأحداث.

أما الفرنسيون فقد هدموا بناءهم القديم وقوَّضوا على مثلهم العليا في عنفٍ

وضوضاء، ثم حاولوا أن يستبدلوا من هذه المثل مثلًا أخرى طلبوها إلى العقل، ولكن

العقل الإنساني ضعيف، أضعف من أن يخلق مقومات الشعوب. والفرنسيون لا يشعرون

بالحقائق الواقعة؛ فهم مضطربون ينقصهم الصبر والثبات ومضي العزم.

2 أشك كل الشك في ملاءمة هذا المنهج لعقل الطفل، فقليل من الرجال من يفهم استنباط الأخلاق

الإنسانية من الأخلاق الحيوانية أو قياسها إليها، والطفل أضيق عقلًا من أن يستنبط الأخلاق من تاريخ

الحضارة أو أن يفهم هذه الصلات الاجتماعية التي فصَّلها المؤلف. ولو أن لي في هذا الموضوع رأيٍّا

لكرهت أن تُلقى على الأطفال دروس في الأخلاق وأحببت الاجتهاد في إصلاح البيئة بحيث لا يكاد الطفل

يجد حوله إلا المُثل الصالحة (المترجم) .

3 يظهر أن المؤلف لم يوفَّق في هذا الفصل؛ فليس للإنجليز إله وطني كإله التوراة، ومهما تكن عظمة

الإنجليز وسيادتهم فإنهم لا يصلحون مثلًا للأخلاق، والمسألة هي أن تَعلَم أي الشعبين أحق بالإجلال

والإكبار، الشعب الذي يتخذ منفعته مقياس الخير والشر فيزدري في سبيلها الحق والعدل، أم الشعب

الذي يتخذ الحق والعدل مقياسًا لمنفعته فيرى أن حريته ورقيَّه في احترام الشعوب ورقيها، ولم يوفق

المؤلف حين شبَّه الإنجليز بالعرب؛ فقد كان العرب مخلصين فاتحين انطلقوا يبشرون ويستعمرون، أما

الإنجليز فأهل دهاء ومكر (المترجم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت