فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 105

أما الأستاذ فليس يعنيه أن يكون له مع التلميذ سلطان، بل ليس يعنيه إلا أن يلقي

دروسه، سواء عليه أن ينتفع التلاميذ أو ألا ينتفعوا، سواء عليه أن يعلموا أو يجهلوا.

ولقد صدق فوييه Fouillee حين قال»:يصل الأستاذ إلى غايته من علم الأخلاق إذا قال

إن حب الأسرة والموت في سبيل الوطن واجبان «. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد بل يقوم

الأساتذة في أكثر الأحيان مقام المحاربين للأخلاق الشاكين في قيمتها، وعظيم جدٍّا ألا يعلن

الأستاذ أمام الأطفال حربه على الأخلاق والعادات، فيكتفي بالصمت المؤذن بالإنكار أو

بهذه السخرية الخفيفة التي تؤذن بالشك، والأطفال يفهمون هذا ويقدرونه، فينكرون

الأخلاق أو يشكون فيها. وليس هنالك شيء أشد خطرًا على تكوين الطفل بل على وجود

الشعوب من هذا المسلك السيئ؛ ذلك أن الأساتذة الذين تعلموا الشك وآثروه وبسطوا

سلطانه على كل شيء، يجهلون أن الشر كل الشر إنما هو في تعليم الأطفال أن يشُكُّوا.

الآن الأمم لا تقوم على الشك والريب وإنما تقوم على الإيمان واليقين، وليس لأمةٍ من الأمم

وجود قوي منتج إلا إذا كان لها إيمان قوي صادق بمَثَل أعلى اتخذته لنفسها مطمحًا،

ليكن هذا المثل مجد الوطن أو مجد المسيح أو عظمة لله فليس ذلك يعنينا، وإنما الذي

يعنينا هو أن يوجد هذا المثل وتلتف حوله القلوب، فذلك الشرط الأساسي لوجود الشعوب

وخروجها من حياة الهمجية والجهل إلى حياة الحضارة والرقي، فإذا ضعُف هذا المثل

أو ضعُف الإيمان به فقد بدأت وحدة الأمة تتفكك وأخذت قوتها في الانحلال؛ ذلك لأن

هذا المثل الأعلى يجمع القلوب، فيوجِد أشياء مشتركة هي التي تكوِّن الجماعات وهي

تذهب بذهاب هذا المثل أو ضعفه. وأي شيء يعين على ذهاب المثل أو ضعفه أكثر من

تعليم الأطفال أن ينكروه أو يشكوا فيه؟

أشد ما يعترض تعليم الأخلاق من المصاعب في الشعوب الكاثوليكية هو أن الأخلاق

عند هذه الشعوب لم تعتمد أثناء قرون طويلة إلا على أساس واحد هو الدين، فالأخلاق

عند هذه الشعوب كانت تقوم على هذه القاعدة وهي أن هناك إلهًا قويٍّا قد أعد العقاب

الشديد لمن خرج عن أمره. وقد تزعزع الدِّين وضعف سلطانه ففقدت الأخلاق أساسها

المتين. ولو أن الأخلاق لم تعتمد عند هذه الشعوب على الدِّين لما أصابها ما يصيبها اليوم.

وقد كان ذلك يسيرًا فإن الفرق بين الأخلاق والدين عظيم، فبينما نحن نستطيع بمقتضى

الظروف والأحوال أن نقبل هذا الدين أو نرفضه، فليس لنا سبيل إلى أن نتخلص من

الأخلاق، ومع أن الأخلاق متصلة بالدين قائمة عليه عند الأمم السامية التي ورثناها فهي

منفصلة عن الدين مستقلة عند شعوب أخرى كشعوب الهند مثلًا، فإذا استطعنا أن

نفرق بين الدين والأخلاق سهل علينا تعليم الأخلاق بطريقة منتجة، وأمر هذه التفرقة

يسير ... فيكفي أن نفكر قليلًا لنعلم أن الدين والأخلاق شيئان متغايران بحيث تتغير

الديانات وتتبدل دون أن تتغير أصول الأخلاق أو تتبدل. 1

1 نلاحظ أن المؤلف يناقض نفسه بعض الشيء، فقد أثبت فيما تقدم أن الأخلاق تختلف باختلاف الأزمنة

والشعوب، وهو هنا يثبت أن لها أصولًا لا تتغير. وفي الحق أنَّا لا نعلم لمَ تتغير الديانات ولا تتغير الأخلاق، فإن قانون التطور الاجتماعي إما أن يمتد إلى كلشيء فينال الديانات والأخلاق واللغات والنظم السياسية والاجتماعية، وإما ألا يوجد ولا يكون قانونًا ... والحق أن التطور ينال كل شيء اجتماعي؛

لأنه ينال الجماعة نفسها، فليس بين الدين والأخلاق فرق في ذلك، كما أنه ليس من الحق ما قد يفهم من عبارة المؤلف من أن الجماعة الإنسانية أشد احتياجًا إلى الأخلاق منها إلى الدين، فالأخلاق والدين واللغة والنظام السياسي، كل أولئك من المقومات التي دل الاستقراء الاجتماعي على أن شعبًا من الشعوب لم يستطع أن يوجد بدونها، ولسنا نعلم شعبًا وجِد بلا دين، كما أننا لا نعلم شعبًا وجِد بلا أخلاق (المترجم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت