عقله وتنظم ملكاته وتغنيه بهذا الدرس النافع اللذيذ عن مجلدات عقيمة من النطق.
قليل جدٍّا من العلماء من ينصح بدرس هذا التاريخ ولكنهم موجودون على كل
حال، موجودون في فرنسا وموجودون في إنجلترا، فقد ذكرنا «دوماس» ونستطيع أن
نذكر من الإنجليز «ميكايل فورستر» ومن الفرنسيين مسيو «لشاتلييه» ،الذي يلح في
درس هذا التاريخ، بل لا يقف عند درس التاريخ وإنما يريد أن تدرس المذكرات التي
كتبها العلماء والمستكشفون، وأن تُنقد وأن يُقارن بين مناهج العلماء والمستكشفين
على اختلافها وألا يستغني عن هذا كله بالمختصرات، فالمختصرات نافعة حين تستعد
للامتحان ولكنها عقيمة حين تحاول تكوين العقل، والأمر في العلم كالأمر في الأدب ...
فكما أن اختصار الشعراء والكتاب النابهين لا يظهرك على الجمال الأدبي، فاختصار
العلماء والمستكشفين لا يظهرك على الحقيقة العلمية، ولكنك لن تستطيع أن تحسن
مع التلاميذ درس تاريخ العلم والاستكشاف إلا إذا عنيت بدرسه درسًا خاصٍّا، إلا إذا
كلفت به واشتقت إليه، تريد أن يفكر تلميذك ويريد فيجب أن تفكر أنت وتريد، فإما
أن تكون مقلدًا وتأخذ تلميذك بالاجتهاد فذلك شيء لا غناء فيه، وقليل جدٍّا من الأساتذة
من يعملون في العلم عمل المجتهد لا عمل المقلد؛ ولهذا قلَّ أثر الأساتذة في تكوين الذكاء
وإن كثر عدد الناجحين من تلاميذهم في الامتحان. ولقد أشار مسيو» ريبو «رئيس لجنة
التحقيق في خطبة ألقاها أمام مجلس النواب إلى نفع تاريخ الاستكشاف العلمي فبين
له وجهًا جديدًا، ذلك أن الذين يدرسون تاريخ الاستكشاف يشعرون حقٍّا بهذا الجهد
العنيف الخصب الذي تبذله الجماعات الحديثة في سبيل الوصول إلى العلم والحق، وإذا
شعر التلميذ بهذا الجهد امتلأ قلبه حبٍّا للجماعة التي هو منها، وحسبك بهذا أثرًا حسنًا
في تكوين الوطنية الحديثة.
ولقد نجحت الجامعات الألمانية نجاحًا باهرًا كانت نتيجته هذا الرقي الصناعي
العظيم، وليس هذا الرقي أثرًا من آثار المعامل العلمية وحدها فهذه المعامل ليست خيرًا
من معاملنا لأننا نحاكيها، وإنما هو أثر من آثار مناهج التعليم التي تمكن الطالب من
أن يعلم أكثر ما يمكن ويتقن هذا العلم، يجب أن تذهب إلى ألمانيا لترى معامل الكهرباء
تستخدم 17000 من العمال، ولترى معامل المعادن تستخدم 40000 من العمال، ولترى
معامل المستخرجات الكيميائية تنتج ما لا تنقص قيمته عن مليار في السنة.
عظم أمر الصناعة في ألمانيا وأشفق الصناع من الجمارك وضرائبها، فتفرقوا في
أقطار الأرض ينشئون المعامل في البلاد الأجنبية ويزاحمون أهل هذه البلاد فيزحمونهم.
لهم في باريس معمل للأدوات الفوتوغرافية والمناظير المعظمة يستخدم 300 ويخرج
مصنوعات أجود وأقل ثمنًا من مصنوعاتنا. وبينما يتقدم الألمان في هذه الطريق الخصبة
المنتجة يمضي تلاميذنا وأساتذتنا في التعليم العقيم. نعد أبناءنا للامتحان والمسابقة
ويعدون أبناءهم لحقائق الحياة.