فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 105

الضرورات وتستتبع نتائجها ونحن عن هذا كله غافلون، وماذا تريد من بلدٍ زراعي

صناعي تجاري لأن الزراعة والصناعة والتجارة هي التي تحييه، وهو مع ذلك يهمل

هذه الفنون الإهمال كله، وحسبك أن عدد الذين يتلقون التعليم الثانوي الآن 180000

بينما عدد الذين يتلقون التعليم العملي على اختلاف فنونه لا يبلغون 22000، بينما

تسعة أعشار فرنسا يعيشون من الزراعة والصناعة والتجارة، وشر من هذا أن هذا

التعليم العملي على قلة العناية به فاسد الفساد كله؛ لأنه متأثر بالجامعة. ففي بلد

زراعي كفرنسا يجب أن تعنى مدارس الزراعة بالزراعة العملية لا بالكتب والنظريات،

ولكن الكتب والنظريات هي كل شيء في هذه المدارس. ولقد نشرت الجريدة الرسمية

تقريرًا كتبه المسيو «ملين» يشتمل على معلوماتٍ قيمة، ويظهر إلى أي حدٍّ تعتمد مناهجنا

العامة في التعليم على قاعدة واحدة، ففي فرنسا (82) مدرسة زراعية عملية غير المجمع

الزراعي في باريس، وهذه المدارس تكلفنا في السنة أكثر من 4 ملايين، وفيها 651 أستاذًا

و 2850 تلميذًا؛ أي 4 تلاميذ لكل أستاذ، ويتكلف كل تلميذ أكثر من 1400 فرنك في

السنة، وأكثر التلاميذ في بعض المدارس يدرسون مجانًا، ولولا هؤلاء التلاميذ لاضطرت

المدارس إلى أن تغلق أبوابها.

وقد كان ينتظر أن يحسن تعليم هؤلاء التلاميذ القليلين الذين يتكلفون نفقات

باهظة بحيث يستطيعون أن يفيدوا الزراع فائدةً ما، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن، فهؤلاء

التلاميذ من جهل الفن الذي يدرسونه بحيث لا يستطيع أحدهم أن يكون خادمًا في

مزرعة، وإذ كان هؤلاء العلماء الزراعيون الذين كنا نعتمد عليهم في إصلاح الزراعة لا

يصلحون لشيءٍ، فهم يطلبون مناصب الدولة وأكثرهم يسعى ليكون أستاذًا حتى إن

500 يتهالكون على 15 منصبًا.

ولقد عُرضت طرق كثيرة للإصلاح، منها ما يستدعي تغييرًا عظيمًا، ومنها ما

يستدعي تغييرًا قليلًا. ولكن هذا الإصلاح كما قلنا لا سبيل إليه إلا إذا تغير الرأي

العام، فليس لنا الآن إلا أن نصلح ما نستطيع قليلًا قليلًا دون أن ننتظر لهذا الإصلاح

نتيجة ذات خطر؛ لأن هذه النتيجة لن تتحقق إلا إذا تحققت المساواة بين الطبقات

وفهم المسيطرون على الأمور أن ليس هناك فرق بين المعنيين بالعلم النظري والمنصرفين

إلى الحياة العملية. وهذه المساواة متحققة من غير شك، بل قد أخذت تتحقق؛ لأن

الثروة أصبحت أو أخذت تصبح الوسيلة الوحيدة إلى الوصول إلى أرقى منزلة اجتماعية،

والثروة لا تكتسب بالبحث النظري وإنما تكتسب بالجد والعمل، فسيأتي يوم يشعر فيه

المسيطرون على الأمور في فرنسا بأن العمل وحده هو الذي يمكِّن أبناءهم من أن يصبحوا

أغنياء، أي من أن يسيطروا على الأمور، وإذا وصلنا إلى هذه المنزلة تحققت ثورة عميقة

تغير عندنا كل شيء. وليس تحقق هذه الثورة شيئًا مستحيلًا فقد تحققت بالفعل في

أمريكا، فأصبح الفرق بين الطبقات لا يكاد يوجد، وإذا كان تحقق هذه الثورة لم يكلف

أمريكا عناءً شديدًا؛ فذلك لأن هذه البلاد لم تضطر إلى مقاومة سنن موروثة وعادات

قديمة كما تضطر الشعوب اللاتينية، وأمريكا لم تضطر كما نضطر نحن إلى محاربة

جامعة قوية رجعية عدوة لكل رقي؛ لذلك سهل عليها تحقيق هذه الثورة، أما نحن فقد

نحققها ولكن بعد عُسرٍ شديد، وليس مصدر هذا العسر تمنعنا أو إباؤنا، وإنما مصدر

تمنع الموتى وإباؤهم، فالجهاد ليس بين الأحياء وإنما هو بينهم وبين الموتى، وقد انتصر

الموتى إلى الآن ولكنهم لن يظلوا منتصرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت