لما وُكل إلى الأستاذ أستوفيه منذ سنين إدارة مدرسة التلغراف التي لم تكن أنتجت إلى ذلك الوقت إلا أسوأ النتائج
وأردأها، حاول عبثًا إقناع الأساتذة بتغيير مناهجهم التعليمية، فلما رأى أن جهوده كلها عقيمة اضطر إلى تغيير
الأساتذة أنفسهم، وإن كان هؤلاء الأساتذة من خيرة الأساتذة المعروفين، وفيهم أستاذ في مدرسة الهندسة ... استبدل
تسعة من ثلاثة عشر، ولكن الصعوبة كانت عظيمة جدٍّا في وجود من يخلفهم ويصطنع في التعليم مناهج منتجة، حتى
تساءل مدير المدرسة ألا يجب أن يُلتمس هؤلاء الأساتذة في البلاد الأجنبية، والنصيحة الوحيدة التي يمكن تقديمها إلى
الأسر الغنية إنما هي إرسال أبنائهم للدرس في ألمانيا أو سويسرا أو أمريكا ... ومن المؤلم جدٍّا أن نلاحظ أننا برغم هذه
المئات من الملايين التي أنفقناها على التعليم لا نزال بحيث نحن من الانحطاط.
إن لدينا أساتذة في المدارس الثانوية أذكياء برغم انحطاط التعليم العالي الذي تلقوه،
ولكن ضعفهم عن الإصلاح كامل لا يحتاج إلى مزيد، فهم يصطنعون مناهج التعليم
التي خضعوا لها ويتبعون برامج لا يستطيعون أن يتجاوزوها.
ولقد أفضى إليَّ بعض الأساتذة بذات أنفسهم بعد أن نُشرت الطبعات الأولى من
هذا الكتاب، فإذا شكاتهم قد دلتني دلالة واضحة على أن كثيرًا من أساتذتنا يشعرون بضعف مناهج التعليم
في الجامعة، ويعلمون حق العلم أن التلاميذ يضيِّعون ثمانية أو عشرة أعوام في المدارس الثانوية دون طائل، ولكنهم
مكرهون على أن ينفذوا بالدقة أمر الرؤساء فهم لا يستطيعون تغييرًا.
التربية بمعناها العام تشمل التعليم وتكوين الملكات الخلقية والعقلية، فأما التربية الخلقية فلا تعنى بها الجامعة بوجهٍ ما،
فأما الملكات العقلية فلا تعنى منها إلا بواحدةٍ هي الذاكرة، فأما الحكم والتفكير وفن الملاحظة ومناهج البحث ...
فمُهملة إهمالًا تامٍّا لأنها لا تُلاحظ في الامتحان.
كل التعليم الثانوي ينحصر في الكتب المدرسية والأمالي المدرسية التي يجب أن يستظهرها الطلاب ويتلوها عن
ظهر غيب، ولقد قال لي أحد الأساتذة في مدرسةٍ ثانوية كبيرة: «لقد أقدمتُ على عملٍ خطير يحتاج إلى شجاعةٍ
عظيمة؛ لأني علَّمت تلاميذي علم النبات بواسطة تشريح النباتات أمام أعينهم دون أن أكتفي بإملاء الألفاظ
والاصطلاحات.» وكل العلوم الأخرى كالطبيعة والكيمياء وما إليها إنما تدرس بهذ الطريقة طريقة الاستظهار. 1
وكل ما تنزلت إليه الجامعة من المناهج التجريبية هو إظهار بعض الآلات من بعيد للطلبة واستخدام هذه الآلات
استخدامًا نادرًا جدٍّا، مع أن الجامعة لا تنفك تُرَغِّب في المناهج التجريبية وتحث عليها وإن كانت في الحقيقة تزدريها،
وسنرى في هذا الكتاب أن تعليم الآداب واللغات والتاريخ ليس أقل سوءًا من تعليم العلوم.
بهذه المناهج الخاطئة قتلت الجامعة في فرنسا قتلًا نهائيٍّا ذوق الدرس العلمي الصحيح والبحث المستقل، يستظهر التلميذ
صابرًا هذه الكتب الثقال التي يعيدها فيفتح أمامه كل باب حتى باب الأستاذية، ولكنه لا يستطيع أن يقوم بأي عمل
شخصي، وقد انطفأ في نفسه كل استعداد للبحث أو الابتكار، لا تنقصنا المعامل - بل لدينا منها أكثر مما ينبغي - ولكن
غرفها تظل في أكثر الأحيان خالية.
1 لم تتجاوز أوامر الجامعة أن تأذن بشيءٍ من الدروس العملية في علم الطبيعة بالمدارس الثانوية، ولكن ينبئنا الأستاذ (مرميه) في المجلة العلمية شهر أكتوبر سنة (1909) بأن النتيجة سيئة جدٍّا؛ لأن الأساتذة والآباء يزدرون كل شيء إلا الكتاب الذي يُحفظ ويُعاد في الامتحان ويرون العناية بغيره إضاعة للوقت.