فإذا اختلف الطلبة في أوقاتٍ متباعدة إلى هذه المعامل التي تكلف ولا تفيد ليستعدوا فيها للأستاذية، فكن واثقًا أن الطالب منهم إنما يزورها لأول مرة وآخرها، على أن الجامعة لا تسمح للأساتذة بأي استقلالٍ وابتكار، فإذا ظهر عند أحدهم ميل ولو قليلًا إلى الشذوذ قمعته في الحال مراقبة بيزنطية شديدة، لقد كنا خاضعين لترتيبٍ شديد بحكم هذه القرون التي مضت في الملكية والكاثوليكية، ولكن الجامعة رتبتنا ترتيبًا أشد جدٍّا، فهي التي تعلم أرقى طبقات الجماعة وتمسك بيدها مفاتيح الأعمال جميعًا، فمن لم يدخلها فلن يصل إلى شيء.
كان في فرنسا قبل انتشار نظام الجامعة علماء مستقلون شرفوا بلادهم ورفعوا من شأنها، وقليلٌ جدٍّا أولئك الباحثون غير الرسميين الذين هم بقية أولئك الذين مضوا من قبل، ولكنهم قد ألقوا السلاح وانصرفوا عن الجهاد؛ لأن المعونة تنقصهم ولأن جيش الجامعة يأخذ عليهم الطريق، ولن يكون من اليسير تعويضهم.
تجد في فرنسا آلافًا من الناس يشعرون بنقص التعليم، ولكني لا أثق بأنك تستطيع أن تجد عشرة قادرين على أن يضعوا للإصلاح برنامجًا صحيحًا نافعًا.
لم يظهروا منذ سنين حين فُكِّر في الإصلاح بعد ما أظهره التحقيق البرلماني من فساد التعليم، وقد انتهت هذه المحاولة كما تعلم إلى تقسيم العلوم إلى أقسامٍ مختلفة،
وكان هذا النظام الجديد أسوأ من النظام القديم رغم ما كان عليه هذا النظام من الرداءة.
ولقد كتب وزير قديم وعضو بالأكاديمي الفرنسية يقول:» لقد كفت أعوام قليلة لإظهار ما في نظام التقسيم الدراسيمن فساد، وكانت هذه الأعوام الخمسة كافية لإظهار أن التعليم الثانوي الذي هو بقية من النظام القديم غير مُلائم لهذا العصر الذي نعيش فيه، يجب أن نذعن للحقيقة الواقعة فقد انتهى عصر الألفاظ، ولم تبق التربية اللفظية صالحة للحياة، لقد جعلوا أجيالنا الحاضرة شعبًا من التلاميذ وطلاب الشهادات، جعلوها حيوانات تستبق، وأصبح ما يسمونه رقيٍّا عقليٍّا واجتماعيٍّا ينحصر في إعادة ألفاظ بعينها إلى سن الثلاثين وفوق الثلاثين، وأصبحت القوة الوطنية ضائعة في هذه الألفاظ العتيقة غير النافعة: الاستظهار، والاستنساخ، والإعادة. «
لقد أظهر الكاتب ككثير غيره موضع الداء ولكنه مع الأسف لم يدل على الدواء، هذا العجز عن استكشاف الدواء لعلة يحسها كل واحد منا نتيجة من نتائج الوراثة التي تسيطر على حياتنا، فهناك أشياء لم تفهمها الشعوب اللاتينية فقط ويظهر أنها لن تفهمها أبدًا.
ولكنَّ أمُمًا أخرى قد ورثت خصالًا غير خصالنا فأحسنت فَهم ما لم نفهمه، فمن البدهي مثلًا أن الأمريكيين عرفوا كيف يحلون مسألة التربية. واليابانيون الذين لم يكن لهم ماضٍ يعوقهم قد اتخذوا المناهج الألمانية لأنفسهم صفقة واحدة، والناس جميعًا يعلمون إلى أي حدٍّ من الرقي العلمي والصناعي والعسكري قد أوصلتهم هذه المناهج في أربعين سنة.
وإذا كان القارئ يريد أن يتعرف غور الهوة التي تفصل بين تصورنا وتصور غيرنا للتربية، فليقرأ بعض الخطب التي تناولت التربية 2 منذ عهدٍ قريب في إنجلترا، وليقارن بينها وبين خطب رجال الجامعة عندنا، تلك التي أشرنا إليها ونقلنا طرفًا منها في أول هذا الفصل، وأنا آسف لأني لا أستطيع أن أورد من هذه الخطب الإنجليزية إلا طرفًا شديد الإيجاز:
ليس هناك شيء يجب أن تتوقاه الجامعة أشد مما تتوقى هذا العلم الواسع الذي يمس كل شيء دون أن يتعمق في شيء، فإنا نستطيع أن نحكم على الجامعة إذا رأينا طريقتها في تنمية نفسية الطلبة وميلهم إلى العلم.
2 ألقاها المستر أسكويت وزير المالية، والمستر هلدن وزير الحربية، والمستر ليتلتن مدير كلية إيتون، ويوجد ملخصها في الصحيفة الإنجليزية» نيتور «