فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 105

ولما لاحظ الأستاذ الرقي الألماني والانحطاط الفرنسي اضطر إلى أن يبحث عن أسبابهما، ومع أنه بذل جهدًا عظيمًا للوصول إلى هذه الأسباب فهو لم يصل حتى إلى افتراضها، على أن تفكيره إن أخطأه الصواب فله قيمة غريبة، فهو يرى أن مصدر أن مصدر انحطاط التعليم عندنا أن نظامه يرجع إلى أصل صيني حمله إلينا اليسوعيون: «إذا كنا قد نجد هنا من حينٍ إلى حين جهلًا لا سبيل إلى اختراق حُجبه، جهلًا متأدبًا حائزًا للشهادات كما يوجد ذلك في الصين، فسبب ذلك واضح: هو أن فن التربية قد حُمل إلينا من الصين، هذه حقيقة تاريخية فإن فن التربية عندنا وليد الحكم القديم، نشأ في هذه الكلية القديمة، كلية لويس الأكبر، وهذه الكلية قد أقامها مرسلون يسوعيون بعد عودتهم من الشرق الأقصى.»

وبعد أن وصل الأستاذ الجليل إلى استكشاف العلة حاول البحث عن الدواء: لا شيء أسهل منه، لأجل أن يكون التعليم راقيًا حقٍّا يجب أن يستقل استقلالًا تامٍّا عن موظفي وزارة المعارف، فيصيح الأستاذ مغضبًا: «إن الضرورة الشديدة تقضي أن يُخلَّص التعليم من هذا الادعاء البيروقراطي، وأن تُحرر الجامعات من سيطرة السلطة التنفيذية، ذلك أن هذه السلطة ما زالت تثقل على التعليم العالي وتأخذه بطرائقها التعليمية التي ورثتها عن العهد القديم، ألا يتاح لنا وزير جريء يسلب السلطة التنفيذية حق إعطاء الدرجات والألقاب.»

وقد علم البيروقراطيون فزعين بماذا يُتهمون، وقد دُهشوا حين رأوا أستاذًا من أساتذة السربون يجهل أن رجال الجامعة وحدهم هم الذين يضعون البرامج، ويمتحنون الطلبة ويقررون الشهادات التي تعطيها السلطة التنفيذية.

ولا ينبغي أن تظن أن مثل هذه الآراء التي قدمنا تفصيلها مقصورة على أستاذٍ

واحد، فكل أساتذة الجامعة يرون هذه الآراء أو أمثالها، كأن هؤلاء الاختصاصيين

العظماء قد فقدوا كل قدرة على التفكير والملاحظة متى تجاوزوا موضوع اختصاصهم.

لن يفلح بلد يحكمه مجلس من العلماء كما عرض ذلك بعض السذج من الفلاسفة، وتجد دليلًا آخر على عجز الأساتذة عن فهم الأسباب التي دعت إلى انحطاط التعليم إذا قرأت خُطبة أخرى كخطبة الأستاذ ليبمان ألقاها أمام الجماعة نفسها - جماعة ترقية العلوم - الأستاذ أبيل عميد قسم العلوم في باريس.

فهو كزميله يبتدئ بنقد التعليم وإعلان أنه لا يستطيع أن ينمي العقل؛ لأن الامتحان

في جميع درجاته ليس إلا اختبارًا للذاكرة.

النقد صحيح ... ولكن الأستاذ لم يفهم أصل الداء، فكان دواؤه الذي وصفه عقيمًا

لا يدل على شيء، فكل سطر من أسطره ينم عن أنه متردد فيما يفكر، وآية ذلك ما سترى من مشروعه للإصلاح»: ترى الإدارة العلة وتجتهد في أن تجد الدواء، وهذا الدواء بنوعٍ خاص في أن توجد صلات دائمة بين مدارس المعلمين الأولية وبين التعليم العالي «!

ثم يقترح في مكانٍ آخر: «أن ينتفع بالجامعات في الدرس العلمي» ، وفي مكانٍ آخر يقترح إصلاحًا عظيمًا هو إلغاء قسم كبير من الدروس التي تُلقى في معرض النبات وتحويل هذه المعارض إلى متاحف أهلية تُعرضفيها الفصائل والأنواع النباتية.»

ثم انتهى الخطيب بالشعور أن في آرائه شيئًا من الضعف، فعاد في مقاله إلى هذا الموضوع وأكد أن: «أول إصلاح يجب هو ترتيب مواد البرامج باعتبار قيمتها العملية، والثاني تطبيق هذه القاعدة في الجامعات وفي إدارتها، فيضيق تعليم بعض المواد ويوسع تعليم المواد الأخرى، وتلغى دروس وتوجد دروس أخرى.»

فترى أن أحدًا من هؤلاء الأساتذة العلماء لم يصل بعد إلى افتراض أن مصدر الشر هو مناهج التعليم لا برامجه، وأن هذه المناهج هي التي يجب أن تُغير، فأما اقتراح أن تُمد بعض البرامج وتقصر الأخرى وأن تُلغى دروس وتنشأ دروس، فلغو من الكلام لا خير فيه؛ لأنه لا يعتمد على فكرةٍ أساسية.

يظهر أن مسألة التعليم قد سحرت الناس، فقد ألُقيت خطبةً ثالثة أمام جماعة ترقية العلوم، ألقاها عضو معروف من أعضاء المجمع العلمي هو المسيو ش. لالمان.

وليس بنا حاجة إلى أن نقول إن مسيو ش. لالمان ليس من رجال الجامعة، فذلك يظهر جليٍّا في الملاحظات الصحيحة الدقيقة التي تزيِّن خطبته.

يذكر الخطيب أولًا أن الغرض من التعليم إنما هو تكوين العقل، ثم يلاحظ أن الجامعة لا تُحسن تعليم اللاتينية ولا الفرنسية ولا شيئًا ما، ثم يشعر من جهة بأن الإصلاح مستحيل في الحالة الحاضرة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت