ولكن مع الأسف الشديد ليس إلى هذا التغيير الأساسي سبيل لأنه يخالف طبيعتنا
اللاتينية، ومع هذا فإن هذا التغيير نافع جدٍّا؛ لأنه يصلح التعليم العالي أولًا ثم التعليم
الثانوي بعد ذلك، ولقد حاول أفراد قليلون جدٍّا إيجاد هذا النوع من النظام التعليمي
فاضطهدتهم الجامعة اضطهادًا شديدًا حين أحست نجاحهم؛ ذلك أنها لا تحتمل إلا
المحاولات التي لا أمل لها في النجاح، ولقد أذكر أن الدكتور ف. أعدَّ منذ عشرين سنة
درسًا خاصٍّا للتشريح كان الطلبة يحضرونه على أن يدفعوا أجرًا ضخمًا، ولكنهم كانوا
على ثقة بأنهم سيدرسون التشريح، بينما كانت الدروس الرسمية في الجامعة لا تعلمهم
إلا شيئًا قليل الفناء، ومع أن هذه الدروس الرسمية كانت مجانية، فقد كان الطلبة
ينصرفون عنها انصرافًا تامٍّا. فأصبح الدكتور ف. وتلاميذه موضوع اضطهاد شديد من
الجامعة، حتى اضطر بعد أن جاهد عشر سنين إلى أن يلغي درسه.
فأنت ترى أننا الآن بعيدون جدٍّا عن البرامج وأن ذلك يدل على أن هذه المحاولات
الكثيرة التي يراد بها تغيير هذه البرامج، وأن هذه الصحف الكثيرة التي نشرت في ذلك
كل هذا لا ينفع ولا يفيد، فليس البرنامج إلا مظهرًا تستطيع أن تغيره كما تشاء دون أن
تغير ما وراءه من الأشياء الحقيقية ذات الأثر الحقيقي، فمن السهل أن تعنى بالمظاهر
لأنك تراها، ومن العسير أن تعنى بالحقائق لأنك تميزها.
أنا أرجو أن أكون قد استطعت إثبات أن مسألة إصلاح التعليم أشد تعقيدًا مما ظن
أعضاء لجنة التحقيق البرلمانية، ولسنا نزعم أن هذا الإصلاح مستحيل، وقد لا يوجد
المستحيل بالقياس إلى الإرادة القوية، ولكن قبل أن نصلح بمقتضى المصادفة كما نفعل
منذ زمن طويل، وكما نستمر الآن على أن نفعل يجب أولًا أن نعرف حقائق الأشياء التي
نريد إصلاحها، فإن الاستمرار في جهل هذه الحقائق يضطرنا ألا نغير إلا الألفاظ، نحدث
الاضطراب في العقول ويصبح التعليم أشد انحطاطًا مما كان قبلًا.
وإنما اجتهدنا في تحقيق المسائل الأساسية للتعليم؛ لأن لجنة التحقيق لم تتصور
هذه المسائل تصورًا واضحًا.
ومع ذلك فهذا التحقيق الضخم لا يخلو من نفع، فقد أظهر لنا أشياء كثيرة كنا
نتخيلها دون أن نعرفها حقٍّا، وقد أظهر بنوعٍ خاص حياتنا العقلية وأن الداء الذي نريد
أن نطب له أبعد غورًا مما كنا نظن، ونحن نعلم أن نتيجة هذا التحقيق كانت مشروع
إصلاح عُرض على مجلس النواب وأقُر بعد مناقشةٍ قصيرة، في هذه المناقشة تكلم وزير
المعارف فقال أقوالًا عظيمة جدٍّا ليؤيد أشياء ليست بذات خطر، وليس من شك في أن
قوته الفلسفية أقوى وأعظم من أن يعتقد أن هذه الأشياء التي كان يدافع عنها تستحق
هذا العناء، فقد غيرت عنوانات قليلة، ولقد قال أحد النواب وهو المسيو ماسي في هذا
المشروع: «إنه أشبه شيء بواجهة البيت قد أنفقت فيها الأموال الطائلة؛ لتخدع الناس
عما وراءها من بناء قديم لم يتغير فيه قليل ولا كثير.»
كل هذه الإصلاحات التي تتناول البرامج وتتكرر من حينٍ إلى حين تخلو من النفع
خلوٍّا تامٍّا، وسيظل التعليم عندنا كما هو ما بقيت مناهج التعليم دون أن ينالها تغيير، ولا
أزال أكرر أن كل تغيير سيظل مستحيلًا حتى تشعر الأسر والأساتذة والمشرع بالحاجة
إليه، وكل تحقيق برلماني مهما يكبر فغايته أن يستخفي بعد قليل تحت التراب الذي
يتراكم عليه في دور الكتب، ولقد احتجت إلى مقدارٍ عظيم من الصبر لأقرأ هذه المجلدات
الستة الضخمة التي تناولت إصلاح التعليم، ويخيل إليَّ أن قليلًا من المعاصرين وفقوا إلى
هذا الصبر.
ولقد أصبحت مسألة التعليم والتربية في هذه الأيام عظيمة الخطر، فخُيل إليَّ أن
من النافع أن أدرس هذه المجلدات الضخمة وأستخرج خلاصتها فأرتبها ترتيبًا علميٍّا