فإذا كان أساتذتنا لا يلقون إلى الطلبة إلا تعليمًا رديئًا، فمصدر ذلك كما قلت أنهم
يعلِّمون ما تعلموا في الجامعة وبنفس الطريقة التي تعلموا بها، وما دام أساتذة الجامعة
يتخيرون بالطريقة التي يتخيرون بها الآن فلا سبيل إلى إصلاح شيء في تعليم الجامعة.
ومن أهم الأسباب التي جعلت التعليم الألماني على اختلاف درجاته أرقى من التعليم
الفرنسي أن الأساتذة الألمانيين يختارون بطريقة مخالفة لاختيار الأساتذة الفرنسيين،
فقد وجد جيراننا السر الذي يمكنهم من حمل الأساتذة على العناية بالطلبة وعلى أن
ينزلوا بالتعليم إلى حيث يستطيع الطلبة أن يفهموه، وذلك شيء يسير فإن الطلبة هم
الذين يؤجرون الأساتذة، وإذا كان لكل نوعٍ من أنواع الدرس طائفة من الأساتذة الأحرار
فالطالب يختار أحسن هؤلاء الأساتذة تعليمًا، فهذه المنافسة تكره الأساتذة على أن
يستبقوا في العناية بالطلبة. 5
ذلك أن الأستاذ يعلم أن الطريقة الوحيدة التي توصله إلى منصب الأستاذ في الجامعة
إنما هي أن يجمع حوله كثيرًا من الطلبة وأن ينشر كتبه الخاصة، وهو يعلم أن جل ما
سيجر عليه هذا المنصب من المنفعة المادية إنما هو يدفعه الطلبة من الأجر، أما في فرنسا
فأستاذ الجامعة عامل من عمال الحكومة له وظيفة معينة، فليس يعنيه أن يستأثر
بعقول سامعيه ولا أن يجتهد في الملاءمة بين قوته وقواهم، ولسنا في حاجةٍ إلى أن نتعمق
في بحث الطبيعة الإنسانية لنحكم بأن الأستاذ لو كان مأجورًا لطلبته لأصبحت منفعته
الخاصة موضوع بحثه وعنايته، ولأصبح بحكم هذا العامل القوي مضطرًا إلى تغيير
مناهجه التعليمية، فإذا كان عاجزًا عن تغييرها فسيضطره منافسوه إلى أن يترك الميدان.
5 يلاحظ أن نفس هذه الطريقة موجودة في الجامعات الكبرى بفرنسا مع هذا الفرق وهو أن الطلبة لا
يؤجرون الأساتذة وإنما الدولة هي التي تؤجرهم، وقد عنيت الجامعات الكبرى بأن يكون فيها لكل مادة
من مواد الدرس أساتذة متعددون يقع بينهم هذا التنافس العلمي الخالص الذي لا ينتظر الأستاذ من
ورائه ثروة ولا مالًا؛ لأن الدولة قد ضمنت له مرتبه وإنما ينتظر من ورائه شيئًا واحدًا هو النفع والمجد
المشروع، ولقد رأينا هذا التنافس في باريس فاضطرنا إلى ألا نؤثر أستاذًا على أستاذ، وإلى أن نجتهد في الاستماع لأساتذة التاريخ القديم جميعًا، ولكن المؤلف كغيره من الفرنسيين لا يرضون عن شيء في
بلادهم ويعجبون بكل شيءٍ خارجها، وربما كان في هذا خير، ولكنَّ فيه شرٍّا كثيرًا (المترجم) .