فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 105

في ألمانيا، حيث لا يوجد هذا النظام الرديء نظام المسابقة، تعرف قيمة أساتذة

التعليم العالي بأعمالهم الشخصية وفوزهم في التعليم الحر الذي يجب أن يبدءوا به، أما

في فرنسا فتعرف قيمتهم بمقدار ما يستطيعون أن يتلوا في المسابقة. 3

وإذا كان عدد الطلبة ضخمًا دائمًا وعدد المناصب الخالية نحيفًا دائمًا، فقد تبالغ

في هذا المعنى ليقل الناجحون، فمن استطاع أن يتلو دون أن يتردد أكثر ما يمكن من

الصيغ والعبارات، ودل على أنه قد خزن في رأسه أعظم مقدار من السخافات وتكلفات

العلم والنحو فهو فائز منتصر على خصومه، ولقد لاحظ أحد الممتحنين في مسابقة

الأستاذية منذ عهد قريب جدٍّا وهو المسيو جوليان، لاحظ في مجلس المعارف الأعلى أن

لجنة الامتحان كانت هلعة من هذا الجهد الذي يطلب إلى ذاكرة الطلبة، وهو يرى أن

الذاكرة إذا كانت أداة تستحق الإعجاب، فهي ليست إلا أداة يجب أن تسخر لمزايا أخرى

يمتاز بها الأستاذ حقٍّا، وهي النقد والمنطق وحسن المنهاج والقصد وحسن المدخل ونفاذ

البصيرة وقوة الحدس وبعد النظر وسعته، وسهولة الإلقاء ووضوحه وصحة اللفظ

وقوته.

ليس من شكٍ في أن هذا الممتحن الجليل قد أصاب فيما لاحظ، ولكن بين الملاحظة

وبين العمل بون شاسع، وستظل الذاكرة دهرًا طويلًا، ما بقي نظام المسابقة المزية

الوحيدة النافعة لمن يتقدم للامتحان، فسيجتنب الطالب ما استطاع كل عمل شخصي

حتى ولو ملك الوقت والقدرة عليه؛ لأنه يعلم حقٍّا أن الممتحنين في جميع درجات الامتحان

يمقتون ذلك مقتًا شديدًا.

فإذا أنفق الرجل خمسة عشر عامًا من حياته مكدسًا في ذاكرته كل ما يستطيع

تكديسه دون أن يلقي نظرة واحدة على العالم الخارجي، دون أن يُمرِّن مرة واحدة قوته

الشخصية أو إرادته أو حكمه ... فأي خير يمكن أن يُرجى منه؟ لا يرجى منه شيء إلا

أن يتلو لتلاميذه البائسين بعض ما كان يتلو قديمًا.

نعم يُذكر بين أساتذة الجامعات أشخاص ممتازون استطاعوا أن يفلتوا من هذه

المناهج السيئة التي خضعوا لها، كما يُذكر أثناء الطاعون بعض الأطباء الذين يفلتون

من العدوى، ولكن هؤلاء الأشخاص قليلون جدٍّا!

3 في هذا إسراف كثير جدٍّا، فقد رأينا نظام التعليم والامتحان والمسابقة في جامعات فرنسا، ويجب أن

نعترف بأن ليس من الحق في شيء أن الأساتذة يعتمدون على الاستظهار أو يقنعون بالتلاوة، وإنما هم

يوجهون العناية كلها إلى الملكات الفعلية التي تفكر وتميز وتحكم، وما يقوله المؤلف هذا إن صح في

عصرٍ من العصور هو متوسط القرن الماضي، فليس يصح في هذا العصر ولا سيما منذ تحقق الإصلاح

الأخير في آخر القرن الماضي (المترجم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت