فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 105

وسيُظهر ما ننقله من نصوص التحقيق أدلة واضحة على أن من المستحيل أن يغير

الأساتذة طرائقهم في التعليم، منذ سنين خطرَ لأحد وزراء المعارف وهو المسيو ليون

بورجوا أن يُصلح التعليم وحده، وذلك بأن ينشئ شهادة ثانوية جديدة يسميها الشهادة

الثانوية الحديثة، تكاد تضمن لصاحبها مزايا الشهادة الثانوية القديمة، وبمقتضى برامج

هذه الشهادة قامت اللغات الحية مقام اللغات القديمة وقويت دراسة العلوم، كان كل

شيء في البرامج حسنًا، فلم يبق إلا الأساتذة الذين ينفذونه، ولكن أساتذة الجامعة علَّموا

اللغات الحية كما يعلِّمون اللغات الميتة غير معنيين إلا بدقائق النحو، ودرسوا العلوم

بواسطة الكتب الدراسية ... وكانت النتيجة كما سنرى سيئة.

يجب أن ننصف علم الكتب الذي يؤثره أساتذتنا، فهم قد علَّموا تلاميذهم كل ما

يمكن أن يدرس بواسطة الكتب، ولكن مذهبهم في التربية والتعليم لا قيمة له، وقد أشار

بعض الذين تكلموا في التحقيق إلى ذلك إشارة خفية مع شيء من الحياء، وإنما ظهر

خارج التحقيق أفراد مستقلون دلوا على مواطن الضعف التي تزداد ظهورًا من يومٍ إلى

يوم.

على أن ضعف أساتذتنا في طريق التربية والتعليم يدهش بعض الأجانب الذين

زاروا معاهدنا العلمية وشهدوا بعض الدروس فيها، فقد نقل مسيو مكس ليكلير بهذه

المناسبة مقالًا نشرته مجلة التعليم الدولية، فيه رأي أستاذ أجنبي زار بعض مدارسنا

في باريس والأقاليم، يقول: «إنه لقي ناسًا كثيرين متعلمين حقٍّا، ولكنه لم يلق إلا قليلًا

جدٍّا من الأساتذة والمربين، فأما رجال الإدارة في المدارس فقد رآهم غير مستنيرين ورآهم

مغرورين حمقى ضيقي العقول.»

وليس عهدنا بمثل هذا النقد حديثًا، فقد كتب المسيو بريال الأستاذ بكوليج دي

فرنس منذ أربعين سنة هذه الأسطر ينقد فيها أساتذتنا:

«كانت جماعة الأساتذة في الجامعة تمثل آراء الأمة في سنة 1810، فلما كانت سنة

1848 وصلت هذه الجماعة من التأخير إلى حيث استطاع كاتب أجنبي أن يقول فيها ما

يأتي: لقد وقفت طبقة الأساتذة في فرنسا عن الحركة، حتى أصبح من المستحيل أن تجد

طبقة أخرى في هذا الوقت الذي عم فيه الرقي، ولا سيما في أشد الأمم حركة تستطيع أن

تثبت مع هذا الرضا في الطريق المعبدة المألوفة، وتدفع مع هذه الكبرياء وهذا الغرور كل

منهج أجنبي وترى الثورة في أقل تغيير.»

ما مصدر هذا القصور في التربية، هذا القصور الذي لا يُنكر والذي أصاب أساتذتنا؟

مصدره بكل سذاجة كما قدمت هي هذه المناهج التي كوَّنت عقولهم، فهم يعلمون ما

تعلَّموا ويعلِّمونه كما تعلَّموا.

وما قيمة هؤلاء الأساتذة الذي كونتهم مبادئ الجامعة؟ وما نفعهم في تعليم الشباب

وتربيته؟ ما قيمتهم والمبادئ التي كونتهم تنحصر في درس الكتب ليس غير؟ هؤلاء

الأساتذة الذين هم الضحايا التعسة لأسوأ مذهب من مذاهب التعليم عرفه الناس، لم

يتركوا قط مجالس التلاميذ إلا ليرقوا إلى مجالس الأساتذة، مجالس التلاميذ في المدارس

الثانوية أو في مدرسة المعلمين أو في أقسام الجامعة، أمضوا خمس عشرة سنة من حياتهم

يخضعون للامتحانات ويتقدمون إلى المسابقة، أما واجباتهم في مدرسة المعلمين فقد كانت

معدة إعدادًا ضيقًا لكل يوم واجبه، كل شيء يجري طبقًا لنظام مهلك، ولم يكن برنامج

الامتحان ليترك ظلٍّا من الحركة لهؤلاء العبيد، عبيد العلم ... وقد تكلفت ذاكرتهم جهدًا

فوق الطاقة الإنسانية لتستظهر ما وعته الكتب، آراء الآخرين وعقائد الآخرين وأحكام

الآخرين، ليس لهم علم بالحياة وتجاربها؛ لأنهم لم يتكلفوا قط عملًا شخصيٍّا ولا حكمًا

شخصيٍّا ولا إرادة شخصية، يجهلون الجهل كله هذا المجموع الدقيق الذي تتكون منه

نفسية الطفل، يجهلون الطرق التي يصلون بها إلى نفوس تلاميذهم، مثلهم في ذلك مثل

الفارس الجاهل امتطى فرسًا جموحًا، يتلون وهم أساتذة هذه الدروس التي تلوها وهم

تلاميذ، ومن اليسير أن يوضع الفونوغراف على كرسييهم فيؤدي عملهم.

اضطروا إلى أن يدرسوا أشياء معقدة دقيقة ليكونوا أساتذة، وهم يعيدون هذه

الأشياء المعقدة الدقيقة أمام تلاميذهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت