فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 105

فسواء فُصِّلت أم أجُملت فكلها يشتمل على ما يأتي: تعليم الشبان مجملات من

العلم والأدب والتاريخ وشيئًا من اللغات القديمة أو الحديثة، فمناهج التعليم التي لا

توصل إلى هذه الغاية عقيمة ومهما تغير من البرامج فلن تصل إلى شيءٍ دون أن تغير

المناهج، فإذا جاء اليوم الذي نفهم فيه هذه الحقيقة عرف الأساتذة أن الذي يجب تغييره

إنما هي المناهج لا البرامج، وما دامت هذه الحقيقة لم تملأ الرءوس والأفئدة حتى تصبح

مصدرًا من مصادر العمل، فسنظل على ما نحن عليه من خطأ ووهم دون أن يشعر أحد

بأن التعليم يستطيع أن يكون كلسان إيزوب مصدرًا للخير كله أو مصدرًا للشر كله. 2

وإذا كان كل إصلاح أساسي يجب أن يمس المنهج لا البرنامج فليس من شك في

أن اقتراحات الإصلاح التي قدمت إلى لجنة التحقيق ليست عظيمة النفع، فهي لا تمثل

إلا أقوالًا معادة، وكل ما يمكن أن يقال في البرامج إنما هو: أنها كلما كانت قصيرة

كان نفعها عظيمًا، لا ينبغي أن يتجاوز البرنامج الكامل للتعليم خمسة وعشرين سطرًا،

ينص بعضها على أن الطالب ليس مكلفًا أن يدرس من كل علمٍ إلا أصولًا قليلة، ولكن

يجب أن يدرسها درسًا عميقًا.

نظن أن القارئ قد بدأ يشعر بهذه المصاعب الخفية التي تعترض إصلاح التعليم،

ومع ذلك فنحن لم نتعرض بعد لأشد هذه المصاعب عسرًا وأطولها بقاء وأعصاها على

الإصلاح، نريد نفسية الأساتذة.

لم تحفل بها لجنة التحقيق مرة واحدة، ولم تكن تستطيع أن تفعل، ذلك أن الذين

تكلموا أمام لجنة التحقيق كانوا مقتنعين بأن الأساتذة الذين أفُعموا علمًا وشهادات لا

يمكن أن يكونوا موضوع مناقشة، ولا يمكن أن يفكر أحد في إصلاحهم لأن يمثلوا الكمال

العلمي.

ومع ذلك فهذه النقطة التي لم يُلتفت إليها هي العقدة الأساسية التي يجب أن تحل

ليمكن إصلاح التعليم.

لقد نثرت لجنة التحقيق أزهارها على الأساتذة وأشبعت البرامج قدحًا وذمٍّا، ومع

ذلك فقد كان يجب العكس، فلنفترض أن قوةً ساحرة أزالت مرة واحدة كل تلك

العقاب التي لاحظناها آنفًا ورأينا أنها تحول دون إصلاح التعليم، فانمحت أوهام الأسر

وسخافاتها وتغيرت البرامج والمناهج، أتظن أن كل شيء سيتغير؟ كلا، ليس شيء بمتغيرٍ

ولا يمكن أن يتغير شيء!

ولَمَ؟ لشيءٍ سهل واضح وهو أن نفسية الأساتذة التي كوَّنتها الجامعة ليست ممكنة

التغيير، ذلك أنهم تكونوا بمقتضى تلك الأصول القديمة فلا يستطيعون أن ينفذوا غيرها

بل لا يستطيعون أن يفهموا غيرها، قد وصلوا جميعًا إلى سن لا يمكن أن تُستأنف فيها

التربية.

نعم سيقبلون طائعين كما فعلوا من قبل تغيير البرامج، وسينحنون متواضعين

أمام المنشورات الوزارية، ولكنهم سيظلون يُعلِّمون كما كانوا يُعلِّمون من قبل؛ لأنهم لا

يستطيعون أن يفعلوا غير هذا.

2 إذا أردت أن تقدِّر النتائج السيئة لتعليمٍ لا يوافق حاجة الشعب الذي يتلقاه ولِما يحدث هذا التعليم

في ذلك الشعب من إخلال التوازن بين القوى وإضعاف الهمم، فانظر إلى هذه التجربة العظيمة الواسعة

التي قام بها الإنجليز في الهند، فقد فُصِّلت نتائج هذه التجربة في خطبة افتتاح لمؤتمر المستعمرات الذي

كنت أحد رؤسائه سنة 1889، وقد لخصتُ هذه الخطبة في الطبعة الجديدة لكتابي حضارة الهند، فإن

نظام التعليم والتربية الذي هو جيد منتج عند الإنجليز قد ظهر بغيضًا إلى الهنود عندما أراد الإنجليز

تنفيذه في بلادهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت