فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 105

وبما لها من هذه الميزة الخاصة التي يظهر أننا لا نلتفت إليها وهي أخذ النفوس بحب

النظام. هذا الإصلاح حسن جدٍّا من الوجهة النظرية ولكنه مستحيل التحقيق، ذلك أن

هذا النظام قد وضع لشعبٍ يمتاز بخلال موروثة تلائمه، فليس من الممكن أن يُنقل إلى

شعبٍ آخر بخصالٍ مناقضة كل المناقضة لتلك الخلال، على أن التجربة لن تستطيع أن

تثبت ثلاثة أشهر، فلست أعرف أسرة فرنسية تسمح بأن يعود ابنها من المدرسة وحده

دون أن يرافقه من يأخذ له تذكرة من المحطة ويعينه على أن يركب الأمنيبوس، ويلفته

إلى أن يلبس معطفه مخافة البرد ويلاحظه ملاحظة دقيقة حتى لا يسقط تحت عجلات

القطار وهو يمشي أو تحت العربات في الشارع، أو أن يصيب عينيه بعض الأذى وهو

يلاعب أترابه حرٍّا، فلو أن أبناء هذه الأسر الحريصة استمتعوا بما يستمتع به أطفال

الإنجليز من الحرية، فتركوا لأنفسهم يؤدون واجبهم متى شاءوا وكيف شاءوا ويلعبون

دون مراقبة أشد أنواع اللعب عنفًا وخطرًا، ويخرجون كما يشاءون، لأجمع الناس على

الشكوى، فلا يكاد يقع أول حادث حتى ترتفع أصوات الأسر بالشكوى وتجمع الصحف

على السخط والإنكار، وما هي إلا أن يُسأل الوزير في مجلس النواب ويُكره على أن

يعيد النظام القديم أو يسقط، ولقد عرفت سيدة محترمة أصابتها أزمات عصبية قوية

وأنذرت زوجها بالطلاق؛ لأنه استمع لنصيحتي حين أشرت عليه بأن يرسل ابنه إلى ألمانيا

ليمكث فيها أشهرًا بعد أن أتم درسه في فرنسا، 1 فجعلت تقول كيف يمكن لأب بر بابنه

حدب عليه أن يتركه يسيح وحده في ألمانيا وهو غر ناشئ لم يتجاوز الثامنة عشرة، وقد

اضطر الأب إلى أن يعدل عن هذه الفكرة.

وربما لم تكن هذه السيدة الجليلة مخطئة حين شكت في كفاية ابنها للحياة وحده

في سياحة قصيرة، فإنه لا يملك هذه الكفاية بوراثة ولا بتعليم فكيف يمكن أن يكتسبها؟

وإذا كان الإنجليز لا يحتاجون إلى من يدبرهم؛ فذلك لأن في نفوسهم ميلًا قويٍّا إلى

النظام يمكنهم من أن يدبروا أنفسهم، فليس في الأرض شعب يفوقهم في النظام وإجلال

السنن الموروثة والعادات المقررة، ومن هنا استغنى الإنجليز عن هذه الرقابة الدائمة؛ لأن

النظام طبيعة من طبائعهم، ثم إن تربية رياضية شديدة جدٍّا تقوي في نفوسهم هذا

النظام ولا تعصم التلميذ من التعرض لأخطار لن يسمح الأب الفرنسي بأن يتعرض لها

ابنه، وإذن فيجب أن نقتنع بأنه ما دام الرأي العام الفرنسي كما هو فقليل جدٍّا من نظم

التعليم والتربية يمكن تغييره إلى أن يتم تطور هذا الرأي العام نفسه.

فلنعرض إذن إعراضًا تامٍّا عن هذه الاقتراحات العظيمة الضخمة، اقتراحات الإصلاح

فهي لا تنفع إلا لتكون مادة كلام كثير لا نفع فيه، ولنلاحظ أن برامج التعليم عندنا

قد غُيرت مرات دون أن يُنتِج تغييرٌ شيئًا، ولنلاحظ بوجهٍ خاص أن الألمانيين مع أن

برامجهم لا تخالف برامجنا إلا مخالفة قليلة جدٍّا قد استطاعوا أن يحققوا رقيٍّا عظيمًا

في العلم والصناعة جعلهم في مقدمة الشعوب جميعًا، فلنلاحظ هذه الحقائق ملاحظة

جيدة فلعل ذلك يوصلنا إلى العلم بأن البرامج كلها ليست ذات خطر، وإنما الأمر كل

الأمر في استخدام هذه البرامج، لا تدل البرامج على شيءٍ وليس لها في نفسها قوة ما.

1 إن صحت هذه الرواية فهذه السيدة نادرة جدٍّا في فرنسا ولعلها مريضة، فنحن نعلم أن الفرنسيين

لا يرسلون أبناءهم فحسب إلى البلاد الأجنبية للتمرين وإتمام الدراسة وإنما يرسلون بناتهم أيضًا،

وكثيرًا ما تسافر الفتاة الفرنسية وهي في السادسة عشرة إلى إنجلترا وألمانيا بل وإلى أمريكا، نعم يحتاط

الفرنسيون لأبنائهم وبناتهم فينزلون في الأسر، ولكن هذا الاحتياط لا بأس به ولا سيما من الوجهة

الخلقية (المترجم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت