فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 105

من اليسير أن ترى عيوب أي نظام من النظم القائمة سواء أكان نظامًا سياسيٍّا أم نظامًا

من نظم التعليم، من اليسير أن ترى هذه العيوب وأن تدل عليها، فإن النقد السلبي

يقع في متناول الأذكياء العاديين، ولكن هؤلاء الأذكياء لا يستطيعون أن يتبينوا ما يمكن

تغييره، مع ملاحظة المؤثرات المختلفة كالجنسية والبيئة وغيرهما، تلك المؤثرات التي

تعتمد عليها هذه الأشياء المستحدثة، ذلك أن الشعور بمعنى الإمكان وتقديره خصلة

حرمتها شعوب كثيرة أخصها الشعب الفرنسي.

فإذا امتحنت ما عرضه بعض الذين استشيروا في التحقيق من إصلاح أساسي،

عرفت أنه يخلو لا من كل قيمة نظرية فحسب، بل من كل ما يسمح بإمكان تحقيقه،

يخلو من كل ذلك لأسبابٍ سنبينها: وأهم هذه الأسباب أنه إن تحقق صدم رأيًا عامٍّا

قويٍّا جدٍّا في هذه الأيام، إن التعليم عندنا ومناهج التعليم على الأخص قد بلغت أشد ما

يمكن أن تبلغ من السوء، ولكنها تلائم أهواء الرأي العام الذي عملت هي في تكوينه،

وإن نظرة موجزة تلقيها على ما عرض من طرق الإصلاح لتبين لك السبب في أن تحقيقه

غير ميسور.

فقد عرض بعضهم مثلًا أن نسلك مسلك الإنجليز فننقل المدارس الثانوية إلى خارج

المدن؛ لنمنح التلاميذ من الهواء والفضاء ما هم في حاجة إليه للعب والتمرين، فقد يظهر

هذا أن الإصلاح حسنًا جدٍّا، ولكن الإحصاء يدل على أن المدارس الثانوية القليلة التي

أنُشئت خارج المدن وأنُفقت عليها النفقات الضخمة ووفرت فيها أسباب الدعة والترف لا

تكاد تُملأ؛ لأن الأسر تحرص على أن تحتفظ بأبنائها ... فهذا وحده يكفي ليبين لك أن

هذا الإصلاح المقترح ليس سهل التحقيق؛ إذ كيف يمكن إكراه الأسر على أن تغير آراءها

في هذا الموضوع؟

وقد عُرض أيضًا أن تُستبدل باللاتينية واليونانية اللتين لا نفع لهما لغات حية

نافعة جدٍّا، وقد يكون هذا الإصلاح نافعًا ولكن أين السبيل إلى تنفيذه وقد أظهر التحقيق

أن الأسر نفسها هي التي تحرص على اللاتينية واليونانية؛ لأنها تعتقد فيما أظن أن

درسهما يشرف أبناءها ويميزهم من العامة، وكيف تستطيع الدولة أن تنزع من نفوسها

مثل هذا الخطأ؟

ويُعرض علينا أيضًا أن نسمح للتلاميذ المسجونين بشيءٍ مما يستمتع به التلاميذ

الإنجليز من هذه الشخصية وهذا الاستقلال، وليس أحب إلينا من ذلك، ولكن كيف

نستطيع أن نطلب إلى نظار المدارس مثل هذه التجربة ونحن نقرأ في التحقيق أن المحاكم

قد أثقلت بعضهم بالغرامات الضخمة؛ لأن بعض التلاميذ الذين كلفوا العناية بهم قد

جرحوا في ألعابهم.

ومن أشد الإصلاحات التي عرضت سذاجة وإن كان قد وجد أنصارًا كثيرين، هذا

الإصلاح الذي يقضي بإلغاء الشهادة الثانوية، على أن تستبدل بسبع شهادات أو ثمان

تُنال في آخر كل سنة بعد امتحان يقال له امتحان المرور، والغرض من هذا الإصلاح

إعفاء التلاميذ الأغبياء من إضاعة أوقاتهم في المدارس، ذلك اقتراح قد يكون حسنًا جدٍّا

من الوجهة النظرية ولكن كيف يمكن تحقيقه؟ فإن الإحصاء الذي أعلنه المسيو بويسون

يظهر لنا أن عدد الناجحين في الشهادة الثانوية يكاد يعدل خمسة آلاف في السنة يقابله

مثله من الراسبين الذين أضاعوا أوقاتهم في المدارس، وذلك يعطي فكرة سيئة جدٍّا من

الأساتذة والبرامج التي تُوصل إلى مثل هذه النتيجة، ولكن أترى إلى المدارس الثانوية

التي تزاحمها المدارس الدينية مزاحمة شديدة والتي يصيب ميزانياتها العجز في كل

سنة، أترى إلى هذه المدارس تخسر خمسة آلاف من تلاميذها في كل سنة، ذلك أن لجان

الامتحان التي تجرأ على إخراج مثل هذا العدد من المدارس لتستأثر به المدارس الدينية،

لا تلبث أن ترى نفسها موضع سخط الأسر وضغط السلطة العامة فتميل إلى الرفق

والتلطف، وتقبل كل التلاميذ ويعود الأمر إلى ما هو عليه اليوم.

هناك مصلحون آخرون يقترحون علينا أن ننسخ التربية الإنجليزية؛ لأنها من غير

نزاع أرقى من تربيتنا بما لها من تأثيرٍ في تنمية الخلق وإظهار الشخصية وتقوية الإرادة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت