فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 105

أثر في هذه النتيجة السيئة، فإن برامج مشابهة لها في ألمانيا مثلًا تنتج نتيجة أخرى.

خرجت جامعتنا العتيقة واهنة من هذا التحقيق، فقد فقدت المدافعين عنها حتى

الأساتذة الذين أنشأتهم بطرائقها، فإن اختلافهم الشديد في كل مسائل التعليم، وقصور

ما عرضوا من طرق الإصلاح، والإصرار المتصل على تغيير البرامج، كل ذلك يدل دلالة

واضحة على أننا لا ينبغي أن ننتظر من الجامعة نفعًا، فهي كالسفينة المعطلة تعبث

بها الأمواج والرياح، فهي لا تعلم ماذا تريد ولا تعلم ماذا تستطيع، وهي تدور في

ضروب من الإصلاح الكلامي دون أن تفهم أن طرائقها وروحها قد بليت بِلًى عظيمًا،

وأصبحت لا تلائم أي فرعٍ من فروع الحياة في هذا الجيل، فهي لا تتقدم خطوة حتى

تتأخر خطوات، فهي تقرر في يوم إلغاء درس الشعر اللاتيني ثم تصبح فتضع مكانه

درس العروض اللاتيني، ولقد استحدثت الجامعة تعليمًا تسميه التعليم الحديث ألغت

فيه درس اللاتينية واليونانية ووضعت مكانهما درس اللغات الحية، ولكنها تدرس هذه

اللغات الحية كما تدرس اللغات الميتة غير معنية إلا بأسرار الأدب ودقائق النحو، حتى

إن الطالب ليدرس فيها سبع سنين ثم لا يستطيع أن يقرأ ثلاثة أسطر دون أن يلجأ إلى

القاموس فيبحث فيه عن كل كلمة، يخيل إليها أنها تدخل إصلاحًا عظيمًا على التعليم

إذا ألغت شهادة الدراسة الثانوية، ولكنها تخلق مكان هذه الشهادة شهادة أخرى لا

تخالف الأولى إلا في أنها تسمى شهادة الدراسة، كل إصلاح ممكن في الجامعة ينحصر في

أن توضع كلمات مكان أخرى، لقد وصلت الجامعة من أطوار الفناء إلى هذا الطور الذي

يسبق الموت والذي يعجز الشيخ فيه عن أن يتغير.

هنالك شيء لا تراه الجامعة مع الأسف، لم تره لجنة التحقيق لأنه يتجاوز حدود

الآراء اللاتينية التي أشرت إليها آنفًا، وهو أن الذي يجب تغييره إنما هي مناهج التعليم

التي تدرس بها المواد التي اشتملت عليها البرامج.

ذلك أن هذه المناهج القديمة عقيمة بغيضة إلى النفوس، شعر بذلك مفكرون

وأعلنوا آراءهم فيها متشددين، فقد أظهر هذا المؤرخ النابه في أحد «تين» ممتازون مثل

كتبه الأخيرة أن جامعتنا ليست إلا نكبة من النكبات وأنها تقودنا في رفقٍ إلى الانحطاط،

ولم ير الجمهور في ذلك إلا تهكم فيلسوف، ولكن التحقيق أظهر أن هذا التهكم لم يكن

إلا حقيقة مؤلمة.

ولئن عجز أكثر الباحثين عن أسباب انحطاط التعليم فإن رداءة هذا التعليم كانت

ظاهرة قبل التحقيق، فمنذ أعوام كثيرة كان الأستاذ هنري دفيل يقول في جلسةٍ علنية

من جلسات المجمع العلمي: «أنا أحد أعضاء الجامعة منذ زمنٍ طويل وسأحال قريبًا إلى

المعاش، ومع ذلك فأنا أعلن بكل صراحة ما أعتقد وهو أن الجامعة على نظامها الحاضر

تسوقنا إلى الجهل الذي ليس فوقه جهل.»

وفي نفس هذه الجلسة كان أستاذ الكيمياء المعروف دوماس يشير إلى أنه: «قد

ظهر منذ زمن طويل أن نظام التعليم إذا لم يُغير كان شرٍّا على هذا البلد منتهيًا به إلى

الانحطاط.»

ولكن ما بال هذه الأحكام القاسية التي تصدر عن علماء نابهين لا تنتج إلا تغيير

البرامج؟ ما الأسباب الخفية التي تمنع تحقيق كل إصلاح نافع؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت