الكتب المدرسية المتقنة، فأساس التعليم يجب أن يكون استظهار الكتب والدروس.
مثل هذا التصور يمثل أشد الأغلاط الأساسية للجامعة خطرًا وشرٍّا، ومن استمرار
هذا الخطأ في الشعوب اللاتينية نتج أن انحطاطهم الذي لا شك فيه فيما يتصل بالتربية
والتعليم.
سيُدهش علماء النفس في المستقبل حين يرون أن جماعة ضخمة من العلماء
والمجربين قد اجتمعت للتشاور في إصلاح التعليم فلم يخطر لواحدٍ منها أن يلقي هذه
المسألة: بأي طريق تصل المعلومات إلى العقل؟ وبأي وسيلة تثبت فيه؟ وماذا يبقى من
هذه المعلومات التي لا تصل إلى العقل إلا بواسطة الذاكرة؟ فهل متاع الذاكرة قادر على
البقاء؟
الجواب على هذه المسألة الأخيرة يجب أن يكون واضحًا منذ زمن طويل، فإذا كان
قد بقي فيه شيء من الشك فإن مجلدات التحقيق كفيلة بإزالته، فإن تقريرات الأساتذة
الذين هم أشد الناس اختصاصًا في الأمر مجمعة على أن شيئًا مما حفظ التلاميذ لا يبقى
في نفوسهم بعد أن تمضي أشهر على الامتحان، وقد أثبتت التجربة أن المعلومات التي
تصل إلى العقل بواسطة الذاكرة لا تثبت فيه إلا قليلًا.
إذن فليس من شكٍ في أن المناهج الأساسية للتعليم في الجامعة سيئة، ويجب البحث
عن مناهج أخرى، ولقد كان كتَّاب التحقيق يؤدون إلى بلدهم أعظم خدمة لو أنهم وضعوا
البحث العلمي عن هذه المناهج موضع مناقشتهم البيزنطية في البرامج وما يتصل بها،
وإذ لم يفعلوا ذلك فلنحاول نحن فعله في هذا الكتاب، وسنُظهر أن التربية ليست إلا
الفن الذي يمكِّن من تحويل الشعوري إلى اللاشعوري، وإنما سبيل ذلك إيجاد الحركة
اللاإرادية التي ينشأ عنها تشابه الخواطر المتكررة الذي ليس للذاكرة فيه إلا أثر قليل،
فالمربي الماهر يستطيع أن يوجِد الحركة اللاإرادية النافعة ويقضيعلى التي لا تنفع أو
على التي تضر.
فكل التعليم خاضع لمبادئ نفسية قليلة سهلة، فإذا أمكن فهم هذه المبادئ كانت
منارًا يُهتدى به في أحرج المواقف وأشدها ضيقًا، هذه المبادئ التي يحسها المربون
الأجانب إحساسًا غريزيٍّا مجهولة في فرنسا، جهلًا بلغ من الشدة أن أصبحت الجمل التي
تدل عليها كأنها جمل لا تشتمل إلا على المتناقضات.
إذن فكل ما اشتمل عليه التحقيق من بحثٍ لم يتناول إلا إصلاح البرامج، ومع ذلك فقد
غُيرت هذه البرامج التعسة التي يُظن أنها أصل الشر كله قبل أن تظهر نتيجة التحقيق،
ولقد اشتملت الأربعون عامًا الأخيرة على تغييرات لنظام التعليم الموروث عندنا تكررت
ست مرات، ومع ذلك فإن فشل هذه المحاولة لم يرشد أحدًا إلى أنها غير نافعة.
إن إضافة هذه القوة العجيبة إلى البرامج مظهر من مظاهر هذه الأغلاط التي
اختص بها الجنس اللاتيني، والتي ليس إلى شفائها سبيل والتي كلفتنا كثيرًا منذ قرن
مضى، فنحن نعتقد أن إصلاح الأشياء يمكن أن يتحقق بإصدار الأوامر واتخاذ القرارات
دون ملاحظة الظروف والأطوار، هذا المبدأ عام يتناول السياسية والاستعمار والتربية،
وقد اتخذناه دائمًا فكان فشلنا فيه يعدل حرصنا عليه، كذلك كانت الدساتير المختلفة
التي وضعت لتكفل لنا السعادة، كانت كثيرة غير نافعة كما كانت البرامج التي وضعت
لتكفل لنا التربية الحسنة، كأن هذه الأمم اللاتينية لا تستطيع أن تثبت إلا على الاحتفاظ
بخطئها.
لم يتفق الذين أبدوا آراءهم في التحقيق إلا على شيءٍ واحد هو نتيجة التربية والتعليم
في الجامعة، فقد أجمعوا جماعًا يوشك أن يكون تامٍّا على أن هذه النتيجة سيئة بغيضة،
ذلك أن آثار التعليم ظاهرة فلم يكن بد من أن يقف عليها كل باحث، أما الأسباب فخفية
ليس من السهل استكشافها، ومن هنا لم يصل إليها الباحثون.
كل الذين تكلموا أمام المحققين إنما فكروا على الطريقة القديمة التي يمتاز بها
الجنس اللاتيني، والتي أظهرت في غير هذا المكان أنها أقوى من أن تقاوم، ولم يكن بد
من الجهل الذي ينتج عن مثل هذا التفكير ليغفل هؤلاء الناس عن أن البرامج ليس لها