وقد ذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أَنَّهَا نكرة تامة، ورحمة بَدَلٌ مِنْهَا. كَأَنَّهُ قِيلَ: فَبِشَيْءٍ أُبْهِمَ، ثُمَّ أُبْدِلَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْضِيحِ، فَقَالَ: رَحْمَةٌ [1] .
وذكر الرازي جواز أن تكون (ما) هنا استفهامًا للتعجب، تَقْدِيرُهُ: فَبِأَيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ جِنَايَتَهُمْ لَمَّا كَانَتْ عَظِيمَةً ثُمَّ إِنَّهُ مَا أَظْهَرَ أَلْبَتَّةَ تَغْلِيظًا فِي الْقَوْلِ، وَلَا خُشُونَةً فِي الْكَلَامِ، عَلِمُوا أَنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى إِلَّا بِتَأْيِيدٍ رَبَّانِيٍّ وَتَسْدِيدٍ إِلَهِيٍّ، فَكَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ التَّعَجُّبِ مِنْ كَمَالِ ذَلِكَ التَّأْيِيدِ وَالتَّسْدِيدِ، فَقِيلَ: فَبِأَيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [2] ومذهبه معروف في صرف جميع ما قيل عنه زائد في القرآن إلى معانٍ أخرى. وقد ردّ عليه أبو حيان وبين ضعف هذا الوجه [3] .
وعلى كلٍّ فيبدو أن ما ذكره ثعلب هنا إنما هو نتيجة محاورة مشهورة بينه وبين البصريين، فأشار إلى رأس المسألة باقتضاب، أو أنه أراد مجرد إثارة الأمر والتنبيه عليه كيفية إطلاق الأوصاف، كإطلاق وصف التوكيد على (ما) هنا وما يشابهها .. والله أعلم.
(1) البحر المحيط (3: 407)
(2) مفاتح الغيب (9: 406 - 407)
(3) البحر المحيط (3: 408)