يحسن أن تختتم هذه الترجمة بمبحث مهم أشار إليه كل من ذكر ثعلب أو ترجم له، وهو ما كان بينه وبين أبي العباس المبّرد.
فقد كان كلٌ من ثعلب والمبرد كفرسَي رهان، ملئا ذلك الزمان علما، وتنافس عليهما الطلاب، وأصبح لكل منهما محبّوه ومؤيدوه.
وقد كان المبرد من أئمة أهل البصرة، بينما ثعلب إمام أهل الكوفة كما سبق، وكان هذا سببا في حدوث بعض المناظرات بينهما، تصل أحيانا إلى المشاحنة، ويزيد ذلك تحزبات الطلاب لشيوخهم ومدراسهم، وسوف نعرض في هذا المبحث طرفا من سيرة المبرد ومنزلته، ثم بعض ما كان بينه وبين ثعلب، ونخلص أخيرا إلى ما ينبغي أن يخرج به الباحث من مثل هذه المقارنة بإيجاز شديد.
المطلب الأول: منزلة المبرد:
تبوأ أبو العباس المبرد منزلة كبيرة في نفوس أهل زمانه، وهو حقيق بها لما حباه الله به من علم واسع ومعرفة كبيرة.
فقالوا عنه: ما رأى محمد بن يزيد مثل نفسه.
بل إن من تلاميذ ثعلب من اعترف بمنزلة المبرد وسعة علمه، وكانوا قد اشتركوا في التتلمذ عليهما.
(1) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالى الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد، إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار. ولد بالبصرة سنة 210 ه وتوفي ببغداد سنة 286 ه، وسيأتي في هذا المبحث طرف من أخباره.