أنزل الله تعالى كتابه العزيز بلسان عربي مبين، قد بلغ ذروة الفصاحة والبلاغة والبيان، فأبهر العرب الذين نزل بين ظهرانيهم بما أُودع فيه من المعاني الرفيعة واللغة التي لم يجدوا إلا التسليم بأنها لم تكن بمقدور أحد من البشر، فعجزوا عن معارضته وسلّموا بأنه أفصح كلام سمعوه {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) } [فصلت: 44] .
وهو مع هذا قد نزل وفق ما تعرفه العرب من أصول الكلام ووجوه المخاطبات، فهو وإن أبهرها وأعجزها في استعمال هذه الأصول إلا أنه لم يخرج عن مهيعها، وهذا هو سر الإعجاز التي تحداهم به، {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) } [البقرة: 23] .
هذا ابن قتيبة يذكر طرفا من خصائص العرب في ألفاظها وإعرابها وشِعرها ومَجَازاتها في الكلام، ويقول بعد ذلك:"وبكل هذه المذاهب نزل القرآن" [1] وقال أبو عبيدة:"وفي القرآن مثل ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني" [2] .
(1) تأويل مشكل القرآن (12 - 21)
(2) مجاز القرآن (1: 8)