فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 240

ولذا فإن إدراك سر فصاحة القرآن وبلاغته لا تتأتى إلا لمن أوتي من العلم بالعربية وفنونها وطرائق التعبير به =ما يمكّنه من إدراك هذا السر، ويتفاوت الناس في هذا تفاوتا عظيما، بقدر تفاوتهم في العلم بالعربية.

وإنما كان الصحابةُ الذين نزل فيهم القرآن أعرفَ الناس بمعاني كلام الله تعالى، لأنهم في الأصل عربٌ أقحاح لم تخالطهم العجمة، فاستغنوا بعلمهم باللسان العربي عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص [1] ، ثم كان الناس من بعدهم على دراجات متفاوتة في الفهم بقدر ما كانت ألسنتهم تحمل من الفصاحة.

قال ابن قتيبة:"وإنما يعرف فضلَ القرآن من كثُر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات ..." [2] .

وقال الواحدي:"وكيف يتأتى لمن جهل بلسان العرب أن يعرف تفسيرَ كتابٍ جُعِل معجزةً -في فصاحة ألفاظه، وبُعد أغراضه- لخاتم النبيين وسيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله الطيبين، في زمانٍ أهلُه يتحلَّون بالفصاحة، ويتَحدّون بحسن الخطاب وشرف العبارة، وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجاء بغير سلاح، ورام أن يصعد الهواء بلا جناح" [3] .

ومما يؤكد لنا أهمية العربية أن العلم بها عِلم بالدين، لأنه لسان الشريعة الذي نزلت به.

(1) مجاز القرآن لأبي عبيدة (1: 8)

(2) تأويل مشكل القرآن (17)

(3) البسيط (1: 412)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت