قال أبو عبيدة:"هذا كلام هو إخبار، خرج مخرج الاستفهام وليس هذا إلا في ثلاثة مواضع، هذا أحدها، والثاني: ما أبالى أقبلت أم أدبرت، والثالث: ما أدرى أولّيت أم جاء فلان" [1] .
وقال الزجاج:"فأما دخول ألف الاستفهام ودخول أم التي للاستفهام والكلام خَبرٌ فإنَّمَا وقع ذلك لمعنى التسوية، والتسوية آلتها ألف الاستفهام وأَم، تقول: أزيد في الدار أم عمرو، فإِنما دخلت الألف وأم لأن عِلْمَك قد استوى في زَيد وعَمْرو. وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة ولكنك أردت أن تبين لك الذي علمت ويخلص لك علمه من غيره، فَلِهذا تقول: قد علمتُ أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تُسَوّي عند من تخبره العلمَ الذي قد خلص عندك. وكذلك (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) ، دخلت الألف وأم للتسوية" [2] .
وهكذا اتفقت كلمة أهل المعاني على ما ذكر ثعلب ونقل.
أما المفسرون فتناولوا الآية بشتى أنواع البيان، وسلطوا عليها الدلالات المختلفة، وكما مما تطرقوا له هذا المبحث، ولكنهم لا جرَم لم يقتصروا عليه.
أما ابن جرير فقال:"وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} فَإِنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الْكَلَامُ ظُهُورَ الِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ خَبَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِعَ أَيِّ، كَمَا تَقُولُ: لَا نُبَالِي أَقُمْتَ أَمْ قَعَدْتَ، وَأَنْتَ مُخْبَرٌ لَا مُسْتَفْهِمٌ لِوُقُوعِ ذَلِكَ مَوْقِعَ أَيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ: مَا نُبَالِي أَيُّ هَذَيْنِ كَانَ مِنْكَ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ:"
(1) مجاز القرآن (1: 31)
(2) معاني القرآن وإعرابه (1: 77)