فأنت مدّعٍ أن المسئول قد لقي أحدهما، أو أن عنده أحدهما، الاَّ أن علمك قد استوى فيهما لا تدري أيهما هو.
والدليل على أن قولك: أزيدٌ عندك أم عمروٌ بمنزلة قولك: أيهما عندك، أنَّك لو قلت: أزيدٌ عندك أم بشرٌ فقال المسئول: لا، كان محالًا، كما أنَّه إذا قال: أيهما عندك، فقال: لا فقد أحال ... ومن هذا الباب قوله: ما أبالي أزيدًا لقيت أم عمرا، وسواءٌ عليَّ أبشرًا كلمت أم زيدا، كما تقول: ما أبالي أيَّهما لقيت. وإنَّما جاز حرف الاستفهام ههنا لأنك سويت الأمرين عليك كما استويا حين قلت: أزيدٌ عندك أم عمرو، فجرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النِّداء قولهم: اللهمَّ اغفر لنا أيَّتها العصابة" [1] ."
ويوضح ما سبق قولُ الأخفش الذي أشار إليه ثعلب:"أما قوله {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فإنما دخله حرف الاستفهام وليس باستفهام لذكره السواء، لأنه إذا قال في الاستفهام:"أَزيدْ عندك أم عَمْرو"وهو يسأل أيهما عندك فهما مستويان عليه، وليس واحد منهما أحق بالاستفهام من الآخر. فلما جاءت التسوية في قوله {أَأَنذَرْتَهُمْ} أشبه بذلك الاستفهام، إذ أشبهه في التسوية. ومثلها {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} " [2] .
وهذا المعنى قد ذهب إليه عامة أهل المعاني واللغة كما رأينا، وتوضحه كذلك النقول الآتية:
(1) الكتاب (3: 169 - 171)
(2) معاني القرآن (1: 31)