وقد تسبب هذان العاملان بنزوح ريفي نحو المدن قامت به عائلات ميسورة من الفلاحين سكنت المدن أو قريبًا منها رغبة منها في مواصلة تعليم أبنائها. فعلى الرغم من كثرة المدارس في الريف بالنظر إلى كثافة السكان إلا أن التعليم ظل هامشيًا زمن الحكم البريطاني ومحدود المستوى بما أنه تأسس على مبدأ محو الأمية القائم على «حصول أكبر عدد من الأطفال على الحد الأدنى من التعليم» [1] . وكانت فترة التعليم الأساسية تصل إلى سنوات أربعة من التعليم الابتدائي وثلاث سنوات أخرى لمن يستطيع المواصلة من التعليم الابتدائي العالي. وكان لغياب المدارس الثانوية في الريف مبررًا لنزوح ريفي نحو المدينة هدفه مواصلة التعليم. لذا كانت حظوظ سكان المدن في مواصلة التعليم أكثر وأيسر واقل تكلفة مما توفر لسكان الريف. وفعلًا مع أواخر الانتداب كان ثمة مدرسة ثانوية لكل مدينة. هذا يعني أن التعليم في فلسطين كان حكرًا على الشرائح الموسرة القادرة على الإنفاق على تعليم أبنائها، كما أنه كان شبه مديني. وإذا ما وضعت القيود القيمية الرافضة لتعليم الإناث موضع الاعتبار فمما لا مبالغة فيه أن التعليم في فلسطين كان طبقيًا، مدينيًا وجنسيًا. وهذه ليست نتيجة بقدر ما هي حقيقة تؤكدها الإحصاءات الرسمية.
هذا الميراث أخذ يتكشف غداة اللجوء. فالفئات التي سكنت المدن أو جاورتها بغية تعليم أبنائها لم تتنازل عن اختياراتها غداة اللجوء، واتخذت من المدن وجوارها مقرًا لإقامتها بديلا عن الإقامة في المخيمات أو التجمعات النائية والمتفرقة للاجئين لمواصلة تعليم الأبناء مستفيدة مما ادخرته من الأموال. وتكشف الإحصاءات عن فئات ميسورة لجأت إلى البلدان العربية تقدر أعدادها بعشرات الآلاف عدا عن تلك التي لجأت إلى الضفة الغربية وقطاع غزة أو المقيمة فيها أصلًا، ومن بين هذه الفئات:
-«فئة لاجئي مصر، عشرة آلاف، ولاجئي العراق من قرى المثلث، خمسة آلاف.
-فئة الفلسطينيين الميسورين النازحين إلى الأردن ولبنان وسورية، والذين لم يطلبوا مساعدات من أية جهة كانت، ويقدر عددهم بحوالي 18 ألف (منهم 6 آلاف في الأردن، 4 آلاف في سورية و 8 آلاف في لبنان) . [ومن بين هؤلاء نحو 1700 رب عمل] .
-الفئة الأخيرة التي شطبت أسماؤها من لوائح وكالة الغوث بسبب دخلها المرتفع نسبيًا وحصولها على قروض من الوكالة وهجرتها إلى خارج الدول العربية. ويقدر عددها بحوالي 30 ألف شخص» [2] .
ولقد شكلت مدخرات هذه الفئات المصدر الأساسي في تمويل تعليم الأبناء بالإضافة إلى سندات قروض حكومة الانتداب التي أعيدت لأصحابها وكذلك تعويضات موظفي الانتداب. وقدر عدد السندات للنازحين وغير
(1) القطشان (عبد الله عبد السلام) .- التعليم في فلسطين: التعليم العربي الحكومي إبان الحكم التركي والانتداب البريطاني، 1516 - 1948 - الجزء الأول - منشورات دار الكر مل، كتاب صامد / 13 - عمان، الأردن - الطبعة الأولى،1987 - ص79.
(2) بدران (نبيل أيوب) .- التعليم والتحديث ... ، الجزء الثاني - مرجع سابق/ ص29 و 33.