فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 413

من الواضح أن الشرائح المتنفذة تاريخيًا، وكلها من رواسب «الإقطاع» ، بقيت كذلك سواء امتلكت الأرض أو رأس المال أو كليهما معًا. ومن الصعوبة تتبع مسار الحراك الاجتماعي والاقتصادي لمن لجأ منها إلى خارج الأراضي التي احتلت سنة 1967. ومهما كانت نوعية العلاقات المفترضة فيما بين الشرائح الميسورة فلا شك أن البحث فيها سيكون في النهاية أو في مستوى النخبة بالذات، محصلة للعلاقة بين العائلات الكبرى التي وإن كانت جميعها متنفذة اقتصاديًا إلا أنها عبرت وفي أكثر من مناسبة، عن خصومة سياسية واضحة زمن الانتداب. وعن قطيعة أو ما يشبهها بعد النكبة. ولقد بذلت العائلات الثرية المنافسة جهودًا جبارة لتقويض زعامة الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية العليا، وحكومة عموم فلسطين المنبثقة عنها ورفضوا «الحلول التي اقترحها الزعماء الفلسطينيون (المقصود حكومة فلسطين) الذين يتحملون، بزعمهم، مسؤولية البلاء الذي لحق بشعب فلسطين على امتداد الأعوام الثلاثين الأخيرة» [1] . مبدئيًا، وفيما عدا الحسينيين الذين خاضوا صدامًا سياسيًا على خلفية سياسية، كان على الوحدات الاجتماعية للنخبة، بمن فيهم العائلات الثرية، أن تختار بين التقوقع أو التمرد وتجاوز العزلة الاقتصادية من خلال الانفتاح على المحيط. هذان الاختياران كانا كفيلين بتدعيم وحدة الصراع السياسي في الضفة الغربية وقطاع غزة فيما بين العائلات الكبرى لا سيما خلال الفترة ما بين سنتي 1948 - 1951 وحتى مشارف حرب العام 1967. كان الاختيار الثاني (الانفتاح) هو الغالب حين أخذ الصراع السياسي يحتد والمواقف السياسية تنتصب على طرفي نقيض بوضوح غير معهود بعد اندثار المجتمع الفلسطيني؛ المناسبة التي أتاحت الفرصة للعديد من الأفراد والجماعات المهيمنة سياسيًا للتحرر من مواقف سابقة كانت محل خلافات شديدة. وكثيرًا ما وصفت بالتردد أو الغموض أو سوء النية. فالوحدة مع الأردن شكلت الحدث النموذجي الأبرز الذي أدى إلى تفكك العلاقات السياسية بين تشكيلات النخبة، حيث بات من السهولة معاينة التباين الحاد في المواقف السياسية بين العائلات المتنفذة وبدرجة أقل داخل العائلة الواحدة. ويمكن الإشارة إلى تضاد في المواقف داخل، وفيما بين، عائلات الحسيني. طوقان، عبد الهادي، جرار ... . الخ كأمثلة معبرة عن قطيعة سياسية أو تفكك اجتماعي بدرجات متفاوتة. ولا شك أن السعي نحو الاستئثار و (أو) الاحتفاظ بالزعامة (السلطة) أضحت الميكانيزم الذي يتحكم بنوعية العلاقات ومدى تماسكها أو تخارجها فيما بين العائلات. ولكن لا الحسينيين تنازلوا، ولو قليلًا، عن زعامتهم التاريخية للحركة الوطنية الفلسطينية ولا العائلات المنافسة قبلت التسليم بها خاصة بعد النكبة.

في الضفة الغربية كما في قطاع غزة كانت النخبة السياسية تجهد في تجريد الحسينيين من الزعامة السياسية. وقلما تأثر هذا الهدف بالانسلاخ الجغرافي للمنطقتين عن بعضهما البعض. وبالرغم من وقوع القطاع تحت هيمنة الإدارة المصرية إلا أن مصير غزة كان يتقلب تبعًا للموقف المصري المنشغل بقضاياه الدولية (مفاوضات الجلاء عن قناة السويس) والداخلية (تصفية الإقطاع وآثار الملكية) وبالموقف العربي المتردد إزاء المسألة الفلسطينية والممثل بجامعة الدول العربية. لذا فإن قطاع غزة لم يكن فقط منبرًا ملائمًا للحسينيين وللدفاع عن زعامة المفتي بدعم من مصر والدول العربية بل بيئة مؤاتية لكافة القوى السياسية والاجتماعية لتحقيق مصالحها. فقد تورطت الحكومة المصرية تباعا في مسألة مبادلة غزة بقناة السويس وتحويل القطاع إلى محمية بريطانية

(1) براند (لوري. أ) .- الفلسطينيون في العالم العربي ... - مرجع سابق - ص159.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت