أما سكان المدن فيتوزعون على أحد عشر مركزا مدينيا متوسط الحجم. ويشكل مجموع السكان فيها نحو%20 من إجمالي السكان، وهي نسبة تقارب نسبة اللاجئين في الضفة والذين يشكلون%18 [1] . ولا شك أن نسبة اللاجئين انخفضت من %40 إلى %18 بفعل منع إسرائيل عودة أكثر من 300 ألف نسمة إلى ديارهم عقب حرب العام 1967 وغالبية هؤلاء من اللاجئين الذين كانوا يقيمون في المملكة الأردنية الهاشمية في إطار وحدة الضفتين ويعملون فيها أو ممن كانوا يعملون في دول الخليج العربية. ومن بينهم نحو100 ألف من قطاع غزة. والسؤال: لماذا ظلت نسب التحضر والتريف في الضفة الغربية شبة ثابتة منذ الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة سنة 1967؟
لا شك أن إسرائيل ربطت التحضر في الأرياف بالسياسة الاستيطانية. إذ فقدت الضفة الغربية نحو %60 من حجم أراضيها البالغة مساحتها أكثر قليلا من 5.5 مليون دونم. وأقامت عليها سلسلة من المستوطنات والنقاط العسكرية فوق التلال الأمر الذي أدى إلى محاصرة الريف اجتماعيا. أما في المدن فقد أحاطتها بالمستوطنات أو أنها أقامت مستوطنات داخلها وهو ذات الأسلوب الذي اتبعته الحركة الصهيونية في فلسطين زمن الانتداب البريطاني. ومن المفترض أن يكون للسكان رد فعل ما إزاء تقطيع المجتمع إلى جزر سكانية متناثرة بيد أن السكان بدوا عاجزين عن أي تحرك. فلماذا؟
المشكلة تتصل بملكية الأرض ومدى التحكم في استخدامها. فحتى سنة 1967 بلغت نسبة الأراضي التي مسحتها السلطات الأردنية وسجلتها رسميا نحو %38 من أراضي الضفة الغربية. أما وثائق الملكية فلم تصدر جميعها حين وقع الاحتلال [2] . وهذا يعني، أيضا، أن ثلثي مساحة الأراضي لم تُمسح أو تُسجَّل. وظلت حقوق ملكيتها قائمة على الحيازة والاستعمال أو مغطاة بسندات ملكية عثمانية أو حُجج ملكية اجتماعية. وفي سنة 1968 أمرت سلطات الاحتلال بوجوب وقف جميع عمليات التسجيل بموجب الأمر العسكري رقم 1 و 2 وتعطيل القانون الأردني الخاص بتسجيل الأراضي [3] . ورفضت الاعتراف بحقوق الملكية السائدة. وابتدأت معاناة السكان في تقييد إسرائيل إصدار رخص البناء لتحجيم التوسع العمراني لصالح الاستيطان اليهودي. وإذا كانت إسرائيل قد استولت على أكثر من %60 من مساحة الضفة الغربية فهذا يعني أن السكان العرب ينبغي أن يكونوا محاصرين في%40 هي المساحة المتبقية. والإشكالية تتفاقم حين تحظر إسرائيل البناء في%65 من هذه المساحة. وأكثر من ذلك فالأراضي التي يمكن أن تكون قد سُجلت مشاعا باسم القرية أو مالك واحد تحظر إسرائيل فرزها أو نقل ملكيتها إلا باسم مالك واحد جديد [4] . الأمر الذي يحول دون انتفاع الورثة بحيازاتهم أو البناء حيث تحظر القوانين العسكرية ذات الصلة إصدار رخصة بناء إلا لقطعة أرض مسجلة. وفعليا ما من مشكلة تواجه المواطن الفلسطيني تحت الاحتلال أبلغ تعقيدا من الحصول على رخصة بناء مقارنة بالإجراءات الإدارية التي تمتد لفترة
(1) (( قارن مع أعداد اللاجئين في الفصل الأول(الجزء الأول) من البحث.
(2) كون (أنطوني) .- التنظيم الهيكلي الإسرائيلي للمدن في الضفة الغربية - مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت، لبنان - الطبعة الأولى، كانون الثاني / يناير 1995 - ص 128.
(3) نفس المرجع.- ص 129.
(4) نفس المرجع.- نفس الصفحة.