يلاحظ أن الجماعة عانت من فراغ في القيادة بعد اغتيال «البنا» امتد طوال الفترة ما بين 14/ 2/1949 - 19/ 10/1951 إلى أن اختير القاضي (المستشار) حسن الهضيبي مرشدا عاما لها. وفي وقت لاحق صدر قرار السلطة ببطلان قرار الحل. وكأن اختيار الهضيبي كان شرطا مسبقا للسماح للجماعة باستعادة ممتلكاتها واستئناف نشاطها مجددا. وقد تقاسمت الجماعة مع مجموعة الضباط الأحرار في الجيش المصري خطة الإطاحة بالحكم الملكي فيما اشتُهر بثورة تموز/ يوليو1952 والتي قادها محمد نجيب وجمال عبد الناصر [1] . غير أن الخلافات التي رافقت الثورة غداة نجاحها بأيام ما لبثت أن تصاعدت كلما بدا أن الجماعة تراهن على محمد نجيب رئيس الجمهورية الذي لم يكن له نفوذ على قادة الانقلاب مثلما كان لعبد الناصر. ومهما كان محتوى الخلافات، سواء انطلقت من مشاركة الجماعة في أول حكومة وانتهاء بلقاء «الهضيبي» سرّا مع الوزير البريطاني المفوض للتفاوض على الجلاء عن قناة السويس أو على معاهدة الجلاء التي وُقِّعت فيما بعد بين الحكومتين البريطانية والمصرية أو حتى التعلل بحادثة المنشية التي استهدفت اغتيال عبد الناصر، فالثابت أن جوهرها يكمن في رغبة الجماعة بتطبيق مشروعها الإسلامي. ويبدو أن الجماعة تعجلت في السعي إلى وضع أهدافها موضع التطبيق قبل أن تتبين حقيقة الوضع وموازين القوى داخل السلطة الجديدة. وثمة من يرى في ذلك خطأ في ترتيب الأولويات السياسية أدى إلى الاصطدام بالسلطة [2] . ومع ذلك فقد عُقد اجتماع بين الجماعة ومجلس قيادة الثورة في منزل عبد الناصر بتاريخ 20/ 9/1954 تم الاتفاق فيه على عقد هدنة يلتزم فيها «الإخوان» بوقف حملتهم على اتفاقية الجلاء ووقف إصدار النشرات المضادة لعبد الناصر مقابل أن يلتزم الأخير بوقف الاعتقالات والتشريد لـ «الإخوان» وأن يوقف حملته الصحفية عليهم. وكانت المفاجأة أن رفضت الهيئة التأسيسية للجماعة الاتفاق. ويعلق محمود عبد العليم أحد ممثلي الإخوان الستة في الاجتماع، على هذا الموقف بالقول: «لم يكن إخواننا هؤلاء ولا إخوان الأقاليم يتوقعون ما كنا نتوقعه من أهوال ستنصب فوق رؤوسنا صبا لأنهم حجبوا أنفسهم عن الحقائق ورضوا أن يعيشوا سابحين في الأوهام .. وأرادوا أن يفرضوا على الواقع ما تخيلوه من أوهام» [3] . هكذا بدأت محنة الجماعة التي لم تنفلت منها إلا بوفاة عبد الناصر وتولي خلفه محمد أنور السادات رئاسة الجمهورية سنة1970. وكان من نتائج المحنة انهيار «التنظيم الدولي» للجماعة وتفكك العلاقات التنظيمية بين المركز والفروع وحتى اندثارها. ومع ذلك فلم تنهر الفروع بل تعززت استقلاليتها واعتمادها على الذات. وبالرغم من التمسك في تاريخية الدعوة ومحتواها إلا أن التوجهات تغيرت واختلفت المواقف لدى العديد من الفروع. ففي الأردن والضفة انتهجت الجماعة نهجا إصلاحيا سلميا حتى قبل اصطدام المركز بالسلطة المصرية وكذلك فعلت الجماعة في غزة. أما في سوريا فقد توجهت منذ منتصف الستينات نحو مصادمة السلطة وإعلان الحرب عليها [4] . وفي مصر تشققت الجماعة.
(1) ميتشل (ريتشارد) .- الإخوان المسلمون - مرجع سابق/ ص 212 - 215. وفي تعليق صالح أبو رقيق ثمة رواية كاملة للخطة (ابتداء من المنجمة الثانية - ص 213) .
(2) النفيسي (عبد الله) ، تحرير وتقديم.- الحركة الإسلامية، رؤية مستقبلية (أوراق في النقد الذاتي/ الإخوان المسلمون في مصر: التجربة والخطأ - دار البراق للنشر - تونس- الطبعة الثانية 1990 / ص 224 - 225.
(3) نفس المرجع.- ص 230 - 231.
(4) الجنحاني (الحبيب) : الصحوة الإسلامية في بلاد الشام: مثال سوريا.- الحركات الإسلامية المعاصرة في الوطن العربي، ندوة - مركز دراسات الوحدة العربية - مرجع سابق/ص121 - 139. وفي الدراسة يتعقب الباحث تحول الإخوان المسلمين في سوريا من الفلسفة الإصلاحية إلى فلسفة الجهاد ابتداء من عام1964 حيث تحولت الجماعة إلى حركة مسلحة انطلقت فعالياتها من مدينة حماة. راجع أيضا: التعقيب لـ، فهمي جدعان.