فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 413

نهجا تربويا وسلوكيا تمثل به الأعضاء أفرادا وقيادات. أما على مستوى العلاقات الاجتماعية فقد تجلت مكانته في توليه، عرفا، جانب القضاء. حيث اشتهر بفض النزاعات والحكم في الحقوق والجنح والتوفيق بين العشائر المتنازعة وإصلاح ذات البين دون أن يتلقى أي مقابل نظير عمله. ونشط في هذا السياق خاصة خلال الانتفاضة حيث سادت الفوضى القضائية جراء الاستقالات الجماعية لعناصر الشرطة وفقدان المواطنين الثقة في التقاضي لدى محاكم الاحتلال المزدحمة أصلا [1] .

إذن استطاعت الجماعة أن تشخص حاجة المجتمع إلى الدين (أولا) وإلى الإصلاح الاجتماعي (ثانيا) بحيث وجدت الفلسفة الإصلاحية مبررا لاعتناقها مثلما عبر المجتمع عن حاجته لها. وهكذا أفاقت الجماعة على محتوى أدق لـ «البعث الحضاري الشامل» جرى التعبير عنه بصيغة أخرى هي «التغيير الاجتماعي» . إذ أن الجماعة باتت ترى «أن التغيير الاجتماعي سيقود إلى التغيير السياسي، وأنه لا بد من إحداث هذا التغيير حتى يصبح المجتمع ناضجا لمقاومة شاملة للاحتلال، وأن أي حركة ستقاوم الاحتلال لا يمكن أن تصمد بدون توفر الأرضية المناسبة والمناخ الملائم» [2] . هذا ما يقوله محمد نزال أحد قادة حركة «حماس» وهو الذي يسميه آخرون في الحركة بـ «الشروط الإسلامية» لبدء الجهاد. والمهم في هذه الصيغ أنها تجعل من الجهاد حاضرا ومُركزا من خلال الإعداد له عبر التربية والتكوين لجيل التحرير المرتقب [3] . وبهذا الحضور تنفي الجماعة كل تهمة بالتخلف عن الجهاد. ولكن إلى أي مدى تبدو هذه الفرضية صحيحة إذا ما تعلق الأمر بالمقاومة المسلحة لإسرائيل؟ تلك هي المسألة التالية.

ثالثا: الجهاد المسلح بين «التأجيل» و «التعجيل»

يلاحظ من العرض السابق أن الجماعة قاربت على الاندماج في فلسفتها الإصلاحية إلى حد الاطمئنان والرضى التام عن اختياراتها لاسيما وأن علاقة نفعية متبادلة بينها وبين المجتمع نمت وترعرعت وتجذرت في رحم العمل الإصلاحي. وكما لو أنها ليست معنية بمهمات أخرى كالجهاد المسلح. ذلك أن هذه المسيرة طالما تعايشت مع التساؤلات المستمرة عن أوان الجهاد. وكلما تقدمت الجماعة في دعوتها الإصلاحية كلما أخذت التساؤلات تلح دون أن تجد لها جوابا إلا التأجيل. وعلى خلفية هذه التساؤلات والمواقف نشأت حركة الجهاد الإسلامي الأمر الذي بات يعني تهديدا جديا للجماعة إذا لم تقدم أجوبة مقنعة للقاعدة وحتى للقمة حيث بلغ التململ أوجه. إذ أن المحتوى الآخر للجهاد لم يعد يغني عن ممارسة العمل العسكري ذاته. هكذا نما التيار الجهادي داخل الجماعة. ولعل السؤال المطروح إزاء هذه الحالة يتجلى في كيفية المواءمة بين التيار الإصلاحي والتيار الجهادي بما يحفظ استمرار فلسفة الجماعة ويحول دون انقسامات بينية؟ أو بمفهوم الجماعة، كيف السبيل إلى التوفيق بين أطروحتي «التمكين» و «التحرير» ؟ أو «المفاصلة» و «المنازلة» ؟ إن تتبع فعاليات الجماعة

(1) الحروب (خالد) .- حماس ... - مرجع سابق- ص 160. وللعلم فقد قدم نحو 300 شرطي محلي استقالاتهم خلال الشهور الأربعة الأولى من اندلاع الانتفاضة. حسب: عبد الرحمن (أسعد) : الانتفاضة الفلسطينية ... - قضايا فكرية - مرجع سابق - ص 180.

(2) الحمد (جواد) ، تحرير.- مرجع سابق - ص 35.

(3) الحروب (خالد) .- حماس ... - مرجع سابق - ص 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت