والنقاب وإقامة الأعراس الإسلامية وإصباغ الطابع المحافظ على الاحتفالات، لا بل النزوع نحو المحافظة في مجال السلوك والعلاقات الاجتماعية [1] .
هكذا ظلت الجماعة تمارس فلسفتها الإصلاحية بمعزل تام عن العمل السياسي حتى العام 1975. إذ ثبت أن المجتمع متعطش إلى الدين والثقافة الروحية بعدما تبين له الضرر الذي ألحقته الأفكار العلمانية من جهة والتدخل الإسرائيلي الحاد من جهة أخرى. ويندر أن تخلو عائلة فلسطينية من آثار الاضطهاد الإسرائيلي وممارساته اللاإنسانية واللاأخلاقية تجاه أفرادها سواء على المستوى الفردي أو الجماعي للعائلة. فكان اللجوء إلى الدين والاحتماء به ظاهرة مألوفة وملاذا قويا حين يقع المساس بالكرامة ويطغى الشعور بالامتهان. وبطبيعة الحال يجيء دور الإسلاميين ليؤطر هذه المشاعر في مضامين دينية تترسخ بالتربية واللامبالاة الإسرائيلية. وواصل «الإخوان المسلمون» العمل بمناهج سلمية حتى منتصف الثمانينات مفضلين عدم الخوض في مواجهة مسلحة مع إسرائيل أو عدم الإسراع في الجهاد [2] . إلا أنهم بعد منتصف السبعينات وخاصة منذ انتصار الثورة الإيرانية، ولأسباب أخرى أهمها توسع القاعدة التنظيمية والاجتماعية، رأت الجماعة أن تباشر بمرحلة جديدة من العمل تمثلت بالاختراق السياسي للمؤسسات الوطنية ابتداء بأحرام الجامعات والقطاع الطلابي والتعليمي [3] . كما سعت لإرساء دعائم البنية المؤسسية من خلال الهيمنة على المؤسسات القائمة في المجتمع المدني كالمؤسسات العلمية والمهنية والنقابية. وقد أثبتوا وجودهم في معظم المؤسسات القائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. بل وأنشئوا مؤسساتهم الخاصة بهم. وبلغ ثقلهم من التراكم الكمي ما يكفي لإحداث تغيير نوعي [4] . ذلك أن المؤسسات «الوطنية» هي أحد أهم قنوات التعبير السياسي بقطع النظر عن مدى تمثيلها، فعلا، للرأي العام الفلسطيني في الداخل.
يبقى القول «الإخوان المسلمين» استطاعوا التغلغل في أعماق النسيج الاجتماعي وإقامة علاقات اجتماعية واسعة لاسيما مع الشرائح الفقيرة والمتوسطة. ولعب الشيخ أحمد ياسين، الشخصية المركزية في الجماعة، الدور الفعال والمبادر في غالبية النشاطات الاجتماعية والدينية والسياسية. وحظي بمكانة اجتماعية ودينية ندر أن حظي بها غيره في قطاع غزة حتى في صلب الجماعة. وقد وفرت هذه المكانة للجماعة احتراما كبيرا مصدره التواضع والورع والمصداقية وحزمة الأخلاق الرفيعة التي تمتع بها الشيخ والتي مثلت محتوياتها الأخلاقية والقيمية
(1) أبو عمرو (زياد) : حماس: خلفية تاريخية سياسية - الدراسات الفلسطينية - مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت، لبنان - العدد 13 - فصلية، شتاء 1993، ص 94،97.
(2) شيف (زئيف) و يعاري (إهود) .- انتفاضة - مرجع سابق - ص 261.
(3) أبو عمرو (زياد) : حماس، خليفة تاريخية ... - الدراسات الفلسطينية - عدد 13 - مرجع سابق - ص 86. وهذه المرحلة تسميها الجماعة بـ"مرحلة المؤسسات"التي تلت"مرحلة المساجد".
(4) الحمد (جواد) ، تحرير.- دراسة في الفكر السياسي لحركة المقاومة الإسلامية"حماس"1987 - 1996 / قاسم (عبد الستار) و أبو ارشيد (أسامة) : مدخل إلى حركة حماس - مركز دراسات الشرق الأوسط/20 - عمان، الأردن - الطبعة الأولى 1997 - ص39.