فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 413

إلا أنهما لم تشكلا حلا لأزمات الحركة الإسلامية العالمية ومدارسها المختلفة. وها هي نقاط الاختلاف تتجلى بأسلوب العمل والمقالة الأيديولوجية التي تميز بين الجماعتين. إذ أن مؤسسي الجماعة الفلسطينية في مصر وغيرها نشطوا في إطار العمل الإسلامي الجهادي على مستوى الأمة وليس على مستوى قطري محدود، متخذين من القضية الفلسطينية القضية المركزية. ولهذا فهم يبتعدون عن تكفير الأنظمة أو تجهيل المجتمعات لأنهم لا يقاتلون نظام حكم ولا يحاربون مجتمعا جاهليا ولا مجال للتمسك بتطبيق الشريعة الإسلامية في هذه المرحلة [1] حيث الهدف ينصب على رأس المشروع الاستعماري الغربي - الصهيوني الذي يتحصن في قلب العروبة والإسلام ويضرب كل نهوض محتمل. كما أن الجهاديين الفلسطينيين ليسوا بديلا عن أي من الحركات الإسلامية ولا يناصبونها العداء. والمشكلة المريرة التي حطمت طموحاتهم هي إصرار بعض جماعات الجهاد في مصر على التمسك بأطروحة «مصر أولا» مستدلين بذلك على مكانة مصر العربية والدولية وحجمها وتأثيرها في المحيطين العربي والدولي، وبأن الدكتور صالح سرية ذاته توجه إلى مصر لأنه أدرك هذه الحقيقة. وهذه الجماعات لا تنفي كون فلسطين أو أفغانستان أو إيران ... الخ قضية مركزية بيد أنها تختلف على إمكانية اعتبارها قاعدة انطلاق خاصة فيما يتعلق بفلسطين، كما تختلف على آلية العمل. أما تركيزها على مصر فلأن بوسعها استعمال نفس أدوات النظام العلمانية ونفس إمكانياته وهو ما لا يتوفر في أي مكان آخر [2] . إلا أن انقساما حدث وأدى إلى تشتت الجهود وإلى الانكفاء الإقليمي لكل جماعة. ومن خلال معاينتنا للخطابين يمكن رد الانقسام إلى غلبة المحتوى السياسي على الخطاب الأيديولوجي لتيارات «الجهاد الإسلامي» في فلسطين. وفي المقابل يلاحظ من وثائق جماعات الجهاد في مصر غلبة المحتوى الديني على خطابها الأيديولوجي. وهكذا كان على الجهاديين الفلسطينيين أن يتوجهوا إلى المجتمع الفلسطيني حيث تمخض الجهد المبذول هناك عن بروز الظاهرة الجهادية والشروع بمقاومة عنيفة ضد إسرائيل فاجأت كل الجماعات السياسية، المحلية والإقليمية والدولية، دون أن تتخلى عن مقالتها الأيديولوجية بل لتعمل بكل قوتها على احتدام الإشكالية التاريخية بين مدرسة الجهاد ومدرسة الإصلاح ومن ثم تفجيرها بالكامل على الساحة الفلسطينية. ولكن كيف؟ والسؤال الآن هو: أية تاريخية هيأت لظهور مدرسة الجهاد لاسيما وأنها تشكلت من جماعات متفرقة لكل منها تاريخيتها الخاصة؟ بمعنى آخر كيف ائتلفت عدة جماعات مختلفة في إطار ما عرف بـ «سرايا الجهاد الإسلامي» ؟ وأية تاريخية أيضا هيأت لمدرسة الإصلاح أن تستأنف العمل بالفريضة الغائبة بعد عزوف امتد لعقود ثلاثة؟ أو كيف يمكن تفسير العمل بالفلسفة الإصلاحية لدى جماعة «الإخوان المسلمين» في فلسطين ثم ممارسة الجهاد فيما بعد؟ وأية فائدة سنجنيها من تنزيل الظاهرة في إطار المجتمع الفلسطيني من حيث هوية الشرائح الاجتماعية وانتماءاتها؟ وأين تتواجد في إطار التنظيم الاجتماعي ولماذا؟ وأية أهمية في ذلك؟ وهل نتوقع الإجابة، في الفصول القادمة، على أكثر من هذه التساؤلات؟

(1) مصطفى (هالة) : الجهاد الإسلامي في الأرض المحتلة - قضايا فكرية - دار الثقافة الجديدة - القاهرة، جمهورية مصر العربية - الكتاب السادس، نيسان/ أفريل 1988 - ص 178.

(2) ورد هذا الموقف في وثيقة"فلسفة المواجهة"وهو على النقيض مما ورد في وثيقة"الإحياء الاسلامي". قارن بين الوثيقتين في النبي المسلح.- الثائرون (2) - مرجع سابق - الصفحات على التوالي 236، 300 - 301.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت