ثابت يقضى باستمرار المواجهة والمشاغلة ضد رأس المشروع الاستعماري في فلسطين حتى لو كانت فعاليات الحركات الإسلامية محكومة بخصوصيات المكان. وإذا ما اتفق على هذه الأطروحات فلا شك أن آليات العمل ستغدو سهلة المنال، ولن تُخلِّف الجهود المبذولة في هذا السياق سوى آثار إيجابية. أما إذا وقع التمسك بالأولويات المرفوعة حاليا فلا يستبعد فشلها بحيث تكون النتيجة خسارة مزدوجة، فلا هي وظفت جزء من جهودها وإمكانياتها لصالح القضية الفلسطينية مباشرة ولا هي حققت شيء من طموحاتها [1] . ولا يخفى أن هذه الدعوة وُجهت أصلا إلى تنظيمات «الجهاد الإسلامي» في مصر قبل غيرها.
وفيما يتعلق باعتبار الجهاد قضية مركزية فهي أطروحة استهدفت جماعات الدعوة والإصلاح، وإجمالا كل الجماعات التي تعزف عن ممارسة الجهاد المسلح أو التي تضع القضية الفلسطينية في مراتب تالية من اهتماماتها. ويعتبر الجهاد في الشريعة الإسلامية الركن السادس الذي لم يقع التنصيص عليه من بين أركان الإسلام الخمسة. ولهذا أُسمي بـ «الفريضة الغائبة» . ويعود الفضل في إحياء هذه الفريضة إلى الدكتور صالح سِرِّيَّة الفلسطيني الأصل، وبالذات سنة 1973 عبر كتيب صغير بعنوان «رسالة الإيمان» . وانطلاقا منه يمكن التأريخ لبروز جماعات الجهاد في مصر وفلسطين وغيرها من الدول العربية والإسلامية بعد ضرْب جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر وتفككها الأيديولوجي والتنظيمي آنذاك. ولا يعرف قبل ذلك عن أية جماعة أو شخصية إسلامية أثارت مسألة الجهاد وتطبيقها قبل، ومثلما فعل، الدكتور سرية. لذا فإن التأصيل للفكر الجهادي الفلسطيني، في حينه، لم يبتعد كثيرا عن مضامين «رسالة الإيمان» ولا عن مضامين كتيب بعنوان: «الفريضة الغائبة» الذي وضعه المهندس محمد عبد السلام فرج مؤسس أحد تنظيمات الجهاد في مصر.
والسؤال هو: لماذا توجه جماعات الجهاد في فلسطين مقالتها الأيديولوجية نحو جماعات الجهاد في مصر؟ وهل يبرر ذلك كون الدكتور صالح سرية فلسطينيا؟ وهل يكفي الزعم بأن الانفتاح على مصر ناجم عن الثقل التاريخي والحضاري للأمتين العربية والإسلامية وكونها أحد المواطن التقليدية للحركة الإسلامية العالمية؟
لا شك في كل ذلك. غير أن وجود مجالات للاتفاق والاختلاف لا بد وأن تكشف عن علاقة ما ربطت بين الجانبين بعضها دفع الجهاديين الفلسطينيين إلى التفاعل مع أقرانهم المصريين. والملاحظ أن تأثيرا متبادلا بين الجانبين وقع على المستوى التنظيمي والأيديولوجي يمكن معاينته من خلال نموذج حركة «الجهاد الإسلامي» الفلسطينية والتي: «ارتبطت قيادات وكوادر منها بالحركة التي حملت نفس الاسم في مصر أثناء دراسة المؤسسين هناك في السبعينات» . فالجماعتان تبادلتا التأثير بأطروحات «رسالة الإيمان» والدكتور فتحي الشقاقي وردوده على تعطيل الجماعات الإسلامية اللاجهادية لركن الجهاد بصورة أدق، وإن لم تكن أشمل، مما عرَضته وثيقة الفريضة الغائبة. وشكلت الجماعتان بديلا عن المأزق التاريخي للحركة الإسلامية العالمية باعتمادهما مبدأ الجهاد في التغيير حيث وضعتا حدودا فاصلة بين مدرسة الجهاد والمدارس الأخرى وبات ممكنا التمييز بسهولة بينهما في مستوى العمل والخطاب الأيديولوجي الذي يعج بمفاهيم «الجهاد، الإيمان، الردة الجماعية، تكفير الأنظمة وقتالها ... »
(1) الإسلام وفلسطين.- مصدر سابق - العدد 6 - 1 آب / أغسطس 1988 - ص 2.