على قاعدة «المنطلقات الاستراتيجية» إذن و خشية المساس بها و «حرف» الثورة عن مسارها استنفر حشد من قادة «فتح» للرد على المسألة الاجتماعية وتوضيح موقف الحركة منها و كيفية التعامل معها، فجاء في وثائق الحركة: «إن صراعنا الدامي مع الاحتلال الصهيوني في الواقع صراع وجود لا صراع على مبدأ اجتماعي معين، هو صراع بقاء أو فناء، هو صراع أن نكون أو لا نكون، وفي مثل هذا الصراع تختفي المعارك الاجتماعية ويلتحم الشعب كله في جبهة ثورية عريضة لاجتثاث كل الوجود الصهيوني عن ترابنا الطاهر"لهذا"فإن مشكلتنا الأساسية هي مشكلة تحرير أرضنا وليست تحرير الإنسان، لأن التحرير الحقيقي لهذا الإنسان الفلسطيني هو تحريره من مذلة التشرد والضياع .. وبذلك يصبح الشعار الاجتماعي بالنسبة لنا، في هذه المرحلة، شعارا وهميا لا يلهب الجماهير ولا يحركها للعمل الثوري المسلح» . وإن هذا الفهم لدى «فتح» يجعل من «الوعي الثوري» هو «المضمون الاجتماعي الوحيد» على الصعيدين الفلسطيني والعربي [1] .
ومن المؤكد أن هذا التفسير الذي يستبعد أية إشارة للمسألة الاجتماعية، ولا يتسامح بتاتًا معها أدى إلى تصاعد المشكلة لا حلها. وفي هذا السياق اضطرت «فتح» أن تكشف المزيد عن رؤاها، فانتفض خالد الحسن، من وضعية الشتات والتفكك الاجتماعي الفلسطيني ليؤكد: « ... نحن نمر في مرحلة تحرر وطني دون أن يكون لنا مجتمع، فنحن نعيش في الوطن العربي ... إن شعبا بهذا الوضع ليس له قضايا اجتماعية خاصة به (قضاياه الاجتماعية مندمجة مع قضايا الواقع العربي) ، لايومية ولا مرحلية، قضاياه الاجتماعية تبدأ عندما يصبح احتمال النصر على الأبواب .. ولأن المجتمع الفلسطيني غير قائم فإن شعار المرحلة الحاضرة يجعل من الطبيعي أن تجمد التنظيمات الفلسطينية نشاطها المجتمعي، ولما كانت هذه التنظيمات (جبهات التحرير العربية والصاعقة والجبهة الشعبية) تمثل، على التوالي، أجنحة لحزب البعث في العراق وسوريا ولحركة القوميين العرب أصلًا فإن الخطأ الذي وقع هو عدم وضع حد بين النشاط العربي لهذه الأحزاب وبين مقتضيات النضال الفلسطيني في مرحلة التحرير الوطني» [2] . فماذا تقترح «فتح» لتجاوز هذا الخطأ؟
من الملاحظ أن «فتح» أخذت تدرك خطورة تصعيد المسألة مع هذه التنظيمات إذا ما دخلت في صراع مكشوف معها لاسيما أنها تمثل الأجنحة العسكرية الضاربة لحزب البعث الحاكم فضلًا عن أن سوريا تشكل «رئة» استراتيجية للثورة بحكم موقعها كإحدى دول الطوق القوية. وهذه المرة على صلاح خلف «رجل المهمات الصعبة» أن «يٌطيِّب الخواطر» ويخفف من حالة العداء. وعلى هذا الأساس استهل حديثه بالتذكير بأحد نصوص البرامج السياسية لحركة «فتح» الذي يقول: «أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» هي جزء من حركة التحرر الوطني وجزء من حركة التحرر في العالم". وهذا النص يكفي لتوضيح العلاقة. فإذا كان لحركة التحرر العربية أهدافا وطنية"فأهدافها الاجتماعية بارزة بوضوح، ولا
(1) حجار (جورج سالم) : أدبيات حركة فتح ... - مرجع سابق - عدد 2 / ص 32 - 33.
(2) أحاديث مع قادة المقاومة ...: (1) خالد الحسن (2) جورج حبش - مرجع سابق - عدد 4 - ص 282.