تحليل الوثيقة
في تحليل جزئي للمضمون يمكن أن نسجل الملاحظات التالية:
أولًا: استعملت حركة «فتح» ، في الوثيقة، مقولة «الشعب الفلسطيني» ست مرات (خمس مرات في المبادئ الأساسية وواحدة في الأسلوب) لتؤكد على الشخصية المستقلة والحقوق السياسية لمواجهة القوى العربية التي تمارس الوصاية أو التي شرّعت «الوجود الإسرائيلي» في فلسطين، غير أن المادة 27 أثارت جدلًا حادًا، سياسيًا وأيديولوجيًا، بين «فتح» والمنظمات الفدائية. ففي حين رأت «الأولى» أن تبتعد بالقضية الفلسطينية عن الخلافات العربية سياسية كانت أو حزبية وعدم الدخول في أي خلاف عربي والابتعاد عن سياسة المحاور بما يحقق للقضية الفلسطينية كسب مختلف القوى [1] تخوفت «الثانية» من السلوك القطري لـ «فتح» وفسرت «عدم التدخل» بالتزام من جانب واحد لا يؤدي، بالضرورة إلى التزام من الجانب العربي. كما أنه حجة ضد الثورة تستعملها الدول العربية متى شاءت وكيفما شاءت لتقيد بها النضال الفلسطيني، وبالتالي تمكين الدول العربية من التحلل التدريجي من القضية الفلسطينية وصولا حتى التخلي عن مسؤولياتها بتعميم مقولة «القبول بما يقبل به الفلسطينيون» ، وهي دعوة تهبط بالقضية إلى حضيض القطرية وتنزع عنها قوميتها. وفي المقابل استعملت الوثيقة مقولة «الشعب العربي الفلسطيني» أربع مرات في «الأسلوب» لتعبر عن المصير المشترك بينه وبين الأمة العربية. وفي هذا السياق تكرر استعمال كلمة «معركة» ست مرات (اثنتين في المبادئ وأربعة في الأسلوب) ، وحين الحديث عن دور الجماهير العربية في المعركة (مادة 24) ارتبط ذلك بـ «الجبهة العربية الموحدة» ، وهي صيغة تطورت على خلفية دعوة «فتح» إلى قيام «الجبهة العربية المساندة كضرورة نضالية للثورة الفلسطينية، أو لاستمرارها الإنتصاري» . والثورة الفلسطينية ترفع هذا الشعار بسبب الاقتناع بوحدة المصير العربي التي تلزم «الأمة العربية بحماية الثورة الفلسطينية التي هي جزء من النضال القومي في سبيل الوحدة والحرية» . ويبدأ تحقيق هذا الشعار «عندما تبادر الجماهير العربية إلى إنشاء لجان المناصرة والمساندة والقيام بالنشاطات المؤيدة للعمل المسلح» [2] .
ثانيا: إن تجاهل الوثيقة لأي من العقائد الأيديولوجية، وإغفالها، مثلما أغفلت منظمة التحرير الفلسطينية، أي ذكر للإسلام يرقى بها إلى مستوى العلمانية، وهي عمليًا كذلك بالرغم من أنها لم تعرف نفسها على هذا النحو قط. وعلى العكس فقد دافع قادتها عن العادات والتقاليد العربية للشعب الفلسطيني وعن تراثه الإسلامي [3] ، فضلًا عن أن المؤسسين هم أصلا من جماعة «الإخوان المسلمين» ، والكثير منهم ظل ملتزمًا بفكر الجماعة حتى بعد تأسيس الحركة. ولكن عدم اعترافها بالعقائد سببه «رفضها المستمر الاعتراف بتلازم النضال السياسي والنضال الاجتماعي بوصفها حركة وطنية ثورية أي تجمعا وطنيًا لهدف محدد هو تحرير فلسطين واستعادة هويتها العربية وليست حزبا ذو تكتل حول فلسفة كلية عن الكون والإنسان والحياة تنبثق عنها عقيدة مجتمعية تمتلك أنظمة لكل شؤون الحياة - الفرد والمجتمع
(1) الموسوعة الفلسطينية.- الحسن (خالد) : فكر حركة التحرير ... - مصدر سابق/ ص 992 - 923.
(2) نفس المصدر.- علوش (ناجي) : فكر حركة المقاومة الفلسطينية ... - مصدر سابق - ص 932.
(3) الموسوعة الفلسطينية.- الحسن (خالد) : فكر حركة التحرير.- مصدر سابق - ص 999. وكذلك: مقابلة مع خالد الحسن نشرتها صحيفة المدينة المنورة (السعودية) بتاريخ 26/ 11/1971.