فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 413

طبيعة الحرب الفدائية التي رغبت في خوضها لم تتجاوز مهمتها تحقيق الردع لإسرائيل بأقل الخسائر. وهذا الأمر ثابت في تصريحات الرئيس المصري عبد الناصر ذاته حينما وصف الحرب بأنها: « .. الطريقة الوحيدة للرد على اعتداءات بن غوريون] رئيس حكومة إسرائيل آنذاك [علينا؛ فشن غارة قد تقود إلى حرب عامة، ونصب المدافع وإطلاق .. أمر غير فعال .. وأخيرًا قررنا أن نقتل شخصًا إسرائيليا واحدًا مقابل كل شخص يقتله بن غوريون .. أن حياة العرب ليست في المرتبة الثانية» [1] . وعليه فقد اختارت مصر لتنظيم الحرب والإعداد لها وقيادتها ضابط المخابرات المقدم مصطفى حافظ. فكيف عمل؟ ومن هي العناصر التي استقطبت للتجنيد؟

دأب الفلسطينيون إثر النكبة وانتصاب خطوط الهدنة على التسلل إلى داخل فلسطين المحتلة لاستعادة بعض ممتلكاتهم أو جني محاصيلهم الزراعية وثمار أشجارهم، وكانت المحاولات الأولى فردية في إطار جماعات صغيرة. وكان جزء منهم يفلت وبعضهم يصطدم بالجنود الإسرائيليين فتقع خسائر من الجانبين، والبعض الآخر يقع بأيدي المخابرات المصرية فيودع السجن. ومن جانبها استغلت مصر هذه الظاهرة وقامت بتجنيد عدد من المواطنين للتسلل إلى الأراضي المحتلة بشكل منظم بهدف جمع المعلومات عن القوات الإسرائيلية والأماكن الإستراتيجية والحساسة. بمعنى أن مهمة المتسللين كانت استطلاعية لا هجومية [2] . ولكن بعد الغارة على غزة أصبح التجنيد علنيا والهدف قتاليا محضا. وأول شيء فعله مصطفى حافظ هو إطلاق سراح المتسللين ودراسة أوضاعهم ومشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية وحتى النفسية وهيأ لها الحلول، وفرغهم كليًا لمهماتهم الجديدة. ومن جهتها فتحت السلطات المصرية باب التطوع فكانت الأفضلية لمن لهم دراية بالأراضي والمسالك أو خدمة عسكرية سابقة أو من الملمين بالقراءة والكتابة أو بإحدى اللغات وخاصة اللغة العبرية أو بإحدى الصنعات. واستطاع «حافظ» تجنيد نحو ألف فدائي أو700 فدائي حسب تقديرات إسرائيلية [3] .

وقد شرع هؤلاء باختراق الحدود بدء من 25 آب/ أغسطس، إلا أن مصادر عدة أشارت أن فعالياتهم وقعت في الفترة ما بين شهر أيلول/ سبتمبر لسنة 1955 حتى بداية حرب السويس ووقوع غزة تحت الاحتلال حيث توقف نشاطهم وأصيب بشلل تام إثر اغتيال مصطفى حافظ بطرد ملغوم أرسلته إليه إسرائيل في 14 تموز/ يوليو سنة 1956، ثم اغتيال زميله المقدم صلاح مصطفى الملحق العسكري المصري في عمان في اليوم التالي بطرد مماثل [4] . وكانت إسرائيل قبل ذلك قد وجهت ضربة عسكرية انتقامية لسورية في منطقة طبريا حيث كانت بعض العمليات تنطلق من هناك ومن منطقة وادي عربة جنوب الأردن. المهم في الأمر أن عمليات الفدائيين أحدثت رعبًا اجتماعيًا في إسرائيل. إذ تركزت في منطقة النقب حتى الشمال وعلى بعد 15 كم من مدينة تل أبيب وعلى مقربة من مستوطنة ريشون ليتسيون المحاذية. وكانت العمليات الفدائية تشن بمعدل عمليتين في اليوم، وقد نفذت ضد المستعمرات والثكنات العسكرية أو المركبات والجنود ومحطات الاتصال الدولية وتدمير الطرق

(1) أبراش (إبراهيم) .- البعد القومي ... - مرجع سابق - ص 141.

(2) أبو النمل (حسين) .- قطاع غزة ... - مرجع سابق / ص 111 - 113.

(3) نفس المرجع.- ص 122.

(4) نفس المرجع.- ص 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت