وبعد نقاشات محمومة قبل المؤتمر وبعده نجح التيار الماركسي في صبغ التقرير السياسي [1] بصبغته. فأدان الطبقة الإقطاعية والبرجوازية والبرجوازية الصغيرة وتركيبة المجلس الوطني الفلسطيني والأنظمة التقدمية وأيديولوجيات حركة المقاومة بما فيها الجبهة الشعبية واستبعاد الطبقات الأكثر ثورية وجذرية في المجتمع عن المسؤولية أو حتى المشاركة فيها. واعتبر التقرير أن أزمة المقاومة طوال الخمسة عشر شهرًا (حزيران/ يونيو1967 - آب/اغسطس 1968) بأنها نتاج «أزمة التكوين الأيديولوجي والطبقي والسياسي لكافة فصائل المقاومة» ، وقد وافق المؤتمر بالإجماع على التقرير الذي من بين ما أوصى الاعتماد على: «أيديولوجية ثورية علمية (أيديولوجية البروليتاريا) معادية للاستعمار والصهيونية والرجعية والتخلف ... تتسلح بها الجماهير وتعتمد بالأساس على الطبقات الأكثر جذرية وثورية في المجتمع» [2] . ولكن هذا الإجماع لم يدم حتى نهاية العام، إذ انسحبت جماعة أحمد جبريل وكافة عناصر وإطارات جبهة التحرير الفلسطينية، ثم جماعة أحمد زعرور. وأخيرًا الجناح الماركسي في الجبهة مشكلًا تنظيمًا مستقلًا. وعلى الفور انعقد المؤتمر الثاني للجبهة الشعبية في شهر شباط/ فبراير سنة 1969 وفيه أعلنت الجبهة مجاهرتها بتبني النظرية الماركسية اللينينية وأقرت وثيقة «الاستراتيجية السياسية والتنظيمية» [3] ، وقبل ذلك كانت الجبهة في إطار حركة القوميين العرب، تسترشد بمناهج التحليل الماركسي أما الآن فقد أصبحت تنظيمًا محدد المعالم، وفي حقل الماركسية، ولكن أية ماركسية؟
من الأهمية القول، بما لا يدع مجالًا للشك، أن نوع الماركسية التي ستختارها الجبهة الشعبية ستؤدي إلى تميزها عن سائر المنظمات الفلسطينية والأحزاب الشيوعية العربية ذات النهج الماركسي اللينيني، فالجبهة تتوخى الحذر من السقوط في ماركسية مشوهة أو منسوخة فتصبح مثل «الطفوليين اليساريين» الذين لم يستوعبوا النظرية فنسخوها. لهذا فقد التقطت «الاستراتيجية السياسية والتنظيمية» حقيقة الماركسية اللينينية «كدليل للعمل وليست عقيدة ثابتة وجامدة» [4] . وليست هذه الانطلاقة إلا لأن «استراتيجية وتكتيك وأشكال نضال البروليتاريا الطبقي متنوعة للغاية، فهي تتحدد بالظروف التاريخية العيانية الداخلية والدولية، وبدرجة نضج الطبقة العاملة وحلفائها» [5] . وبما أن الواقع الفلسطيني يمر بمرحلة تحرر وطني فقد سئلت الجبهة الشعبية عن نوع الماركسية التي تتلاءم مع الواقع، فأجاب جورج حبش: «إني أفكر في ماركسية الماركسية الآسيوية، ماركسية الأحزاب الصينية والفيتنامية، كما أفكر في ماركسية الحزب الشيوعي الكوبي، حيث الإصرار على أولوية الكفاح المسلح، لأن الجماهير يمكن أن تعبأ فقط حول قضية القتال من أجل
(1) نص التقرير السياسي الصادر في ختام المؤتمر الأول للجبهة الشعبية موجود بالكامل لدى: إسماعيل (طارق) .- اليسار العربي - مرجع سابق - ملحق د / ص 215 - 182.
(2) الموسوعة الفلسطينية.- علوش (ناجي) : فكر حركة المقاومة الفلسطينية ... - مصدر سابق - ص 943.
(3) (هي الوثيقة الأساسية التي تعبر عن فكر الجبهة الشعبية. وقد صاغها الدكتور جورج حبش بمساعدة غسان كنفاني. وكذلك"التقرير السياسي"الذي تنسب صياغته إلى نايف حواتمة. وقد رفضه حبش لدى خروجه من السجن. وبعد الانشقاق ولحاق"الشعبية"بالماركسية وقع تبنيه كأحد الوثائق الأساسية للجبهة الشعبية.
(4) سلوم (توفيق) ، ترجمة.- المعجم الفلسطيني المختصر- دار التقدم - موسكو، الاتحاد السوفياتي - 1986 - ص 420.
(5) نفس المصدر.- ص 422.