تبدو هذه المشاعر مطابقة لما أفصح عنه الكثير من القادة الفلسطينيين غير أن الفرق يكمن في هويتها. ففي حين تحدث البعض عن محنة اللجوء في سياق سياسي أو إعلامي عام فإن جورج حبش يتحدث عن مشاعر شخصية كتلك التي عبر عنها صلاح خلف (أبو إياد) [1] . فهي صادرة عن ضحايا وليس عن شهود عيان أو رجال سياسة. ولا ريب أن هذه المشاعر نالت من شخصيته وكانت حافزًا قويًا «لعمل شيئًا ما» بما في ذلك «القتل» . وهذا ما تجسد في تأسيس «الكتائب» وتبنيها لفكرة «الثأر والانتقام» .
إن شخصية هاني الهندي تؤدي إلى نفس الاتجاه رغم اختلاف الظروف. فقد ولد «الهندي» في بغداد حيث كان والده السوري ضابط في الجيش العراقي برتبة مُقدم عرف عنه حماسه القومي، ورغبته في أن يربي ابنه تربية قومية عربية. لذا يمكن القول أن الابن نشأ في بيت تسوده الروح القومية، ومن خلال نشاطات والده الثورية ضد الإنكليز والملكية خَبِر الابن الأفكار القومية منذ الصغر، واطلع على محاسن الحركة الثورية ومساوئها. وبعد تسريح والده من الخدمة انتقلت عائلته إلى سوريا وأنهى دراسته الثانوية في منطقة «الشويفات» بلبنان والتحق بالكلية الأميركية في حلب. وفيها تعرف على جهاد ضاحي والدكتور نديم البيطار الذي أعجب أيما إعجاب بالثقافة القومية لدى الهندي وخبرته بالسياسة العراقية. لهذا، ربما، كان محط إعجاب أصدقائه في الكلية لِمَا اتصف به من معرفة وحب للعمل واجتهاد. فكانت شخصيته محور جذب لزملائه الطلبة. وتحدث عنه جهاد ضاحي مؤكدًا أنه تأثر، مع بقية زملائه، بحماس هاني وتعلقه بالقضية العربية. «لقد كنا بلا شك متأثرين بهاني الذي سحرنا بإيمانه ولباقته وشخصيته» [2] .
ولقد أكد الاثنان، هاني وضاحي، «الأثر العميق لنكبة فلسطين على سلوكهم وطريقة تفكيرهم. فلقد كانت النكبة بالنسبة لهما ولبقية أعضاء تلك المنظمة نقطة تحول في حياتهم. ولم يعد بمقدورهم أن يسلكوا حياة طبيعية كبقية البشر إذ تملكتهم فكرة الانتقام» [3] .
(1) يستهل"خلف"معاناته بالقول:"سيظل يوم 13 أيار (مايو) محفورا في ذاكرتي إلى الأبد. ففي هذا اليوم .. فرت عائلتي من يافا لتلجأ إلى غزة .. كنا محاصرين ولم يكن أمامنا، للنجاة، إلا البحر .. أخذني مشهد تلك الحشود من الرجال والنساء والشيوخ والأطفال الرازحين تحت ثقل الحقائب أو الصّرَرْ متجهين بشق الأنفس نحو أرصفة ميناء يافا في عجيج كئيب ... صرخات .. نَدْب .. انتحاب .. انفجارات تصم الآذان .. لم يكد المركب يرفع مراسيه حتى سمعنا عويل امرأة لاحظت أن ابنها ليس على المركب ... طلبت العودة إلى المرفأ .. ولقد ذهبت توسلات تلك المرأة الباسلة سدى فانهارت باكية .. كنا بضعة أشخاص نحاول تهدئتها ولكن عبثا، وراح قنوطها يتزايد برغم مقالاتنا وتطمينات زوجها، ثم خارت أعصابها فجأة فألقت بنفسها في البحر. أما زوجها الذي لم يفلح في الإمساك بها فقد غطس بدوره. ولم يكن أي منهما يحسن العوم فابتلعتهما الأمواج الهائجة أمام نواظرنا (وكان لهما على المركب ثلاثة أطفال آخرين) . أما المسافرون الذين أخذهم الروع فكانوا كمن ضربه الشلل". وردت في السيرة الذاتية لـ: خلف (صلاح) .- فلسطيني بلا هوية: لقاءات مع الكاتب الفرنسي أريك رو لو - تونس - الطبعة الرسمية للجمهورية التونسية، 1991 - نقلها إلى العربية: نصير مروة - ص 21.
(2) الكبيسي (باسل) .- حركة القوميين العرب - مرجع سابق - ص 23.
(3) نفس المرجع.- ص 20.