فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 413

العروة الوثقى» أو في «هيئة مقاومة الصلح» ثم أخيرًا في «حركة القوميين العرب» . وقد تشكل معظم أعضائها من الفلسطينيين الذين انتظموا عشية النكبة في كلية الطب في الجامعة الأميركية. وبما أنهم تمكنوا من متابعة تحصيل علمي جامعي فمن المؤكد أنهم ليسوا من الفقراء ولا من المعدمين ولا من شرائح الكادحين الذين يكدون لتحسين فرص الحياة الاجتماعية والاقتصادية لهم. وإذا لم يكونوا من البرجوازية الكبرى ولا من البرجوازية المتوسطة القريبة منها ففي أسوأ الفروض يمكن تصنيفهم ضمن شرائح «البرجوازية الصغيرة» . أو على الأقل هم يرون أنفسهم كذلك. لا شك أننا محاطون بمجموعة شديدة التماسك ومصممة على المضي قدمًا في خططها التنظيمية. ولا شك أن هذا الإصرار لا يصح تفسيره بدوافع طبقية فحسب أو أيديولوجية أو ثقافية. ففي المسألة جانب نفسي عظيم الأهمية وآخر إنساني يتعلق بسيكولوجيا اللجوء. وقد عبر معظم القادة المؤسسون عن مشاعر مؤلمة شكلت علامات فارقة في حياتهم. وتوجهت معظم الكتابات، إن لم تكن كلها، نحو جورج حبش الشخصية المحورية في «مجموعة بيروت» وسجلت رواياته عن معاناته مع «الإنكليز» وقرار تقسيم فلسطين ورحلة اللجوء، ولقد رأينا أن نسجل بعض المقتطفات منها. فماذا قال «الحكيم» (جورج حبش) ؟

«عندما طرق الجنود الإنكليز باب بيتنا وأبواب بيوت الأهل والأقارب والجيران في اللد ... سمعت صراخًا وعويلًا ونحيبًا في منزل أحد جيراننا. وسألت أمي عن سبب ذلك فقالت لي أن الإنكليز أعدموا ابنهم .. لا أعرف كيف كانت مشاعري، الآن أعرف أن مثل هذه الأمور تجمعت وجعلتني أختار الطريق الذي أسلكه» . ويتابع: «إن قرار التقسيم أحدث ردة فعل حادة في المنطقة، ووجدت نفسي .. مع بداية السنة الثانية في كلية الطب أعيش في جو سياسي سببه قرار التقسيم .. كانت مشاعري تتركز حول نقطة واحدة هي أن"القرار"يجب ألا يمر، ووجدت نفسي في تظاهرة تستنكر قرار التقسيم .. وبعد ذلك تصاعد النشاط السياسي في الجامعة وأصبحنا في الفترة التي سبقت 15أيا/مايو 1948، عندما صدر إعلان تأسيس إسرائيل، مشدودين إلى المعارك التي كانت تخوضها داخل فلسطين مجموعات تابعة للهيئة العربية العليا، ونتيجة لذلك رفعنا في الجامعة مطلب التجنيد، خصوصًا أنه في تلك الفترة طرحت فكرة جيش الإنقاذ لمواجهة عصابات الهاجاناه ... التي كانت تهاجم أهلنا في فلسطين وتجبرهم على النزوح من ديارهم» [1] . ويتصاعد الموقف مع «الحكيم» إثر الهزيمة وخلال رحلة اللجوء بعيدًا عن الوطن:

«لقد شعرت بالإهانة في أحداث 1948. فقد أتى الإسرائيليون إلى اللد وأجبرونا على الفرار .. صورة لا تغيب عن ذهني ولا يمكن أن أنساها. ثلاثون ألف شخص يسيرون .. يبكون .. يصرخون من الرعب .. نساء يحملن الرضع .. والأطفال يمسكون بأذيالهن .. و .. الإسرائيليون يشهرون السلاح في ظهورهن .. بعض الناس سقط على قارعة الطريق، وبعضهم لم ينهض ثانية. لقد كان أمرًا فظيعًا. ما أن ترى ذلك حتى يتغير عقلك وقلبك .. يجب على الإنسان .. أن يعمل شيئًا ما، .. أن يقتل إذا اقتضى الأمر .. ولو أدى ذلك إلى أن نصبح بدورنا غير إنسانيين» [2] .

(1) السامرائي (عبد الله سلوم) : حركة القوميين العرب ... - مرجع سابق / ص 166 - 167. نقلا عن: مطر (فؤاد) .- حكيم الثورة ... - مرجع سابق/ ص 11، 16 - 17.

(2) الكبيسي (باسل) .- حركة القوميين العرب - مرجع سابق - ص 20. مقتبسة عن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت