الماضوية (النكوصية) المتحدث عنها سابقًا. بمعنى أنها، أي الثقافة العربية، تريد ولا تريد في نفس الوقت، وهذا يُدخلنا في إشكالية ليس من السهل حلها وإن لجأ البعض إلى محاولات التلفيق والتوفيق التي، وكما يقول الواقع المعاش، لم تنجح كثيرًا في مسعاها) [1] .
قلت: خلاصة هذا الكلام الطويل أن تركي الحمد يخبرنا بأن لا ننظر إلى ثقافتنا (وهي الإسلام!) على أنها أفضل الثقافات! أو أنها متفردة على غيرها!! والدليل أن الغرب قد تفوق علينا!! ولا زلنا ـ كما يقول تركي ـ نبرر هذا التفوق بأنه مرحلي، وسرعان ماتعود الأمور إلى وضعها الطبيعي وهو أن تعلو ثقافتنا عليه.
وقد احتوى هذا القول السابق من تركي الحمد على خلط وجهل، و (كفريات) لا يشك فيها مسلم، حيث زعم هذا الجهول بأن علينا أن لا ننظر إلى ثقافتنا بأنها متفردة وأنها أعلى من غيرها، فقارن بين الكفر والإسلام، ثم فضُّل الكفر وأهله عليه، لأنهم تقدموا (ماديًا) ونحن لم نتقدم بعدُ، فلهذا هم أفضل منا، وثقافتهم (ومن ضمنها دينهم!) أفضل من ثقافتنا (ومن ضمنها الإسلام!) والعياذ بالله من هذا الكفر البيِّن.
ونسي هذا (الأحمق) بأن تقدم الغرب (ماديًا) لا يعني صحة ثقافته وأديانه، كما أن تخلف بلاد المسلمين (ماديًا) لا يعني بطلان ثقافته ودينه (الإسلام) ، لأن هذا التقدم أو التخلف (المادي) لا دخل له بالأديان والثقافات، فهو مبذول للجميع، من اخذ بأسبابه وجَدَّ وثابر فقد حاز السبق فيه ومن تكاسل عن اسبابه، وركن واعتمد على غيره فقد باء بالتخلف.
ولهذا نجد أن بعض البلاد غير الغربية كاليابان مثلًا قد وصلت إلى قمة التقدم (المادي) وتفوقت على الغرب فيه، لأنها اتخذت الأسباب الموصلة إليه من استثمار أمثل للطاقات التي أودعها الله في الأرض، ودعم لكل صاحب عقل مبدع في مجال
(1) المصدر السابق (ص 37) .