فإنهم (غلو في إثبات القدر، حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل ـ حقيقة ـ بل هو في زعمهم لا حرية له ولا فعل، كالريشة في مهب الريح، وإنما تسند إليه الأفعال مجازًا، فيقال: صلى وصام، وقتل، وسرق، كما يقال: طلعت الشمس، وجرت الريح، ونزل المطر، فاتهموا ربهم بالظلم، وتكليف العباد بما لا قدرة عليه، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم، واتهموه بالعبث في تكليف العباد، وأبطلوا الحكمة من الأمر والنهي، ألا ساء ما يحكمون.
وهؤلاء في الحقيقة يزعمون أن الله هو الفاعل الحقيقي لأفعالهم، بخلاف ... ما عليه أهل السنة، الذين يقولون: إن الله هوالخالق، والعبد هو الفاعل، ولذا ترتب على فعله الثواب والعقاب.
هؤلاء ـ الجبرية ـ يسمون بالقدرية المشركية، لأنهم شابهوا المشركين في قولهم: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ [1] .
وحيث أن تركي ا لحمد قد أيد مذهبهم، واحتج على المعاصي والآثام التي يرتكبها (هشام العابر) بالقدر كقوله:
(كتب علينا أن نخطئ) ... [2] .
فإن الرد سيكون منصبًا على مسألة: هل يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي؟
فأقول:
(الإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجة على ما ترك من الواجبات، أو فَعَلَ من المعاصي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:"وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل، وسائر العقلاء؛ فإن هذا لو كان مقبولًا"
(1) سورة الأنعام، الآية: 148.
(2) الشميسي (ص 173) .