يراها من هو بعيد، ولكنها تختفي حالما يصلها أحدهم. ومن الداخل كانت تتراءى أشباح أهل الواحة رغم الظلام ... وجوه حمراء، وكروش منتفخه، وأعين فقدت بريق الحياة، وهم يأكلون طوال الوقت. وهيئ له أن وجوههم قد بدأت تتحول إلى شيء أقرب إلى وجه الكائن الذي يقف أمامه.
ـ ولكن قل لي ...
ـ لماذا الظلام دامس في الواحة رغم الألوان والأنوار التي تتراءى من بعيد؟
وضحك الكائن، وهو يمتص بعض لعاب سال من جانب فمه، قال:
ـ الظلام في كل مكان، ولكن الطعام هنا فقط.
ـ ولكني أرى بصيص نور في الأفق يوحي بانبلاج الفجر في الصحراء، ولا أرى ذلك البصيص في الواحة!
ـ النور مزعج للعين، ونحن لا نحبه هنا فهو مفسد للسكينة والطمأنينه. ليس ألذ وأجمل من هدوء الليل، وصمت الظلام.
ـ لم لا تقول إنك أنت من يكره النور، كي لا ترى أحد وجهك المسخ.
وهناك ثار الكائن، وأخذ ينخر بشدة، ورفع السوط في الهواء يريد أن يهوي به على جسد هشام، الذي فر من أمامه وهو يقول:
ـ سأضرب في الصحراء غير آبه بالشقاء ... فلابد للصحراء من نهاية، ولا بد لليل من فجر، ولا بد أني واجد واحتي مهما طال الزمان ... واحتي سوف تكون بلا سياج ولا ظلام، ولا أمساخ بشر ... وإن مت قبل ذلك، فسوف أموت وأنا حر.
وتابع طريقه إلى عمق الصحراء فيما الشمس توقفت عن ضحكها، وانكفأت على نفسها، والكائن يضحك من بعيد ويقول بصوت كالرعد:
ـ لن تجد أفضل من واحتي هذه، كل الواحات مثل واحتي ... سوف تعود إلى مهما طال بكل التجوال، طالبًا الصفح والغفران، مستجديًا أن أقبلك عبدًا من عبيدي، وساعتئذ ... ستعرف من أنا.