فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 194

فهناك فرق بين ما أريد بنا، وما أريد منا، فما أراده طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به.

ومما تجدر الإشارة إليه أن احتجاج كثير من هؤلاء ليس ناتجًا عن قناعة وأيمان، وانما هو ناتج عن نوع هوى ومعاندة، ولهذا قال بعض العلماء فيمن هذا شأنه:"أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به" [1] .

يعني أنه إذا فعل الطاعة نسب ذلك نفسه، وأنكر أن يكون الله قدر ذلك له، وإذا فعل المعصية احتج بالقدر.

وبالجملة فإن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، أو ترك الطاعات احتجاج باطل في الشرع، والعقل، والواقع.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن المحتجين بالقدر:"هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى" [2] .

يسوغ الاحتجاج بالقدر عند المصائب التي تحل بالإنسان كالفقر، والمرض، وفقد القريب، وتلف الزرع، وخسارة المال، وقتل الخطأ، ونحو ذلك؛ فهذا من تمام الرضا بالله ربًا، فالاحتجاج إنما يكون على المصائب، لا المعائب،"فالسعيد يستغفر من المعائب، ويصبر على المصائب، كما قال ـ تعالى ـ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [3] . والشقي يجزع عند المصائب، ويحتج بالقدر على المعائب" [4] .

ويوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلًا قتل آخر عن طريق الخطأ، ثم لامه من لامه، واحتج القاتل بالقدر، لكان احتجاجه مقبولًا، ولا يمنع ذلك من أن يؤاخذ.

(1) مجموع الفتاوى (8/ 107) .

(2) مجموع الفتاوى (8/ 262) .

(3) سورة غافر، الآية:55.

(4) مجموعة الفتاوى (8/ 454) ، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 857 ـ 858) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت