فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 194

وإليك مثالًا يوضح ذلك: لو أراد إنسان السفر إلى بلد، وهذا البلد له طريقان، أحدهما آمن مطمئن، والآخر كله فوضى واضطراب، وقتل، وسلب، فأيهما سيسلك؟

لاشك أنه سيسلك الطريق الأول، فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار؟

11 ـ ومما يمكن أن يُرد به على هذا المحتج ـ بناء على مذهبه ـ أن يقال له: ... لا تتزوج، فإن كان الله قد قضى لك بولد فسيأتيك، وإلا فلن يأتيك، ولاتأكل ولا تشرب، فإن قدر الله لك شبعًا وريًا فسيكون، وإلا فلن يكون، وإذا هاجمك سبع ضار فلا تفر منه، فإن قدر الله لك النجاة فستنجو، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار، وإذا مرضت فلا تتداو، فإن قدر الله لك شفاءً شفيت، وإلا فلن ينفعك الدواء.

فهل سيوافقنا على هذا القول أم لا؟ إن وافقنا علمنا فساد عقله، وإن خالفنا علمنا فساد قوله، وبطلان حجته.

12 ـ المحتج بالقدر على المعاصي شبه نفسه بالمجانين، والصبيان، فهم غير مكلفين، ولا مؤاخذين، ولو عومل معاملتهم في أمور الدنيا لما رضي.

13 ـ لو قبلنا هذا الاحتجاج الباطل لما كان هناك حاجة للإستغفار، والتوبة، والدعاء، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

14 ـ لو كان القدر حجة على المعائب والذنوب لتعطلت مصالح الناس، ولعمت الفوضى، ولما كان هناك داع للحدود، والتعزيرات، والجزاءات، لأن المسيئ سيحتج مع القدر، ولما احتجنا لوضع عقوبات للظلمة، وقطاع الطريق، ولا إلى فتح المحاكم، ونصب القضاء، بحجة أن كل ماوقع إنما وقع بقدر الله، وهذا لا يقول به عاقل.

15 ـ أن هذا المحتج بالقدر الذي يقول: لا نؤاخذ، لأن الله كتب ذلك علينا، فكيف نؤاخذ بما كتب علينا؟

يقال له: إننا لا نؤاخذ على الكتابة السابقة، إنما نؤاخذ بما فعلناه، وكسبناه، فلسنا مأمورين بما قدره الله لنا، أو كتبه علينا، وإنما نحن مأمورين بالقيام بما يأمرنا به،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت