فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 194

ولو قتل رجلٌ رجلًا عن طريق العمد ثم قُرَّع القاتل ووُبَّخ على ذلك، ثم احتج بالقدر، لم يكن الاحتجاج منه مقبولًا؛ ولهذا حج آدم موسى ـ عليهما السلام ـ كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - في محاجتهما:"احتج آدم وموسى فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، ثم تلومني على أمر قد قدّر علي قبل أن أخلق؟ فحج آدم موسى" [1] .

فآدم ـ عليه السلام ـ لم يحتج بالقدر على الذنب كما يظن ذلك بعض الطوائف، وموسى ـ عليه السلام ـ لم يلم آدم على الذنب؛ لأنه يعلم أن آدم استغفر ربه وتاب، فاجتباه ربه، وتاب عليه، وهداه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

ولو أن موسى لام آدم على الذنب لأجابه: إنني أذنبت فتبت، فتاب الله علي، ولقال له: أنت يا موسى ـ أيضًا قتلت نفسًا، وألقيت الألواح إلى غير ذلك، إنما احتج موسى بالمصيبة فحجه آدم بالقدر. [2] .

"فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له؛ فإنه من تمام الرضا بالله ربًا، أما الذنوب فليس لأحد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب" [3] .

وممن يسوغ له الإحتجاج بالقدر التائبُ من الذنب، فلو لامه أحد على ذنب تاب منه لساغ له أن يحتج بالقدر.

فلو قيل لأحد التائبين: لم فعلت كذا وكذا؟ ثم قال: هذا بقضاء الله وقدره، وأنا تبت واستغفر، لقُبل منه ذلك الاحتجاج [4] .

(1) أخرجه مسلم، في كتاب القدر (8/ 50) برقم (2652) .

(2) انظر: مجموعة الفتاوى (8/ 178) ، ومنهاج السنة (3/ 78 ـ 81) ، والاحتجاج بالقدر لابن تيمية ص (18 ـ 22) والفرقان لشيخ الإسلام (ص 103 ـ 105) والآداب الشرعية لابن مفلح (1/ 258 ـ 260) ، والبداية والنهاية لابن كثير (1/ 83 ـ 87) .

(3) شرح الطحاوية ص 147، وانظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/ 163) ، والتدمرية ص (231) ، وانظر: المسائل التي لخصها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من فتاوى ابن تيمية ص (34) .

(4) انظر: شفاء العليل (ص 35) ، وانظر: القضاء والقدر، لأسعد محمد الصاغرجي ص (24) ، وتقريب التدمرية لابن عثيمين ص (115) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت