لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال، وسائر أنواع الفساد في الأرض، ويحتج بالقدر. ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه، بل يتناقص، وتناقض القول يدل على فساده، فالا حتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول" [1] ."
وبما أن هذا الأمر مما يعم به البلاء فهذا إيراد لبعض الأدلة الشرعية والعقلية، والواقعية التي يتضح من خلالها بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الطاعات.
1 ـ قال الله- تعالى: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَاسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [2] فهؤلاء المشركون احتجوا بالقدر على شركهم، ولو كان احتجاجهم مقبولًا صحيحًا ما أذاقهم الله بأسه.
2 ـ قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [3]
فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغًا لما كان هناك داع لأرسال الرسل.
3 ـ أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال ـ تعالى ـ: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ { [4] ، وقال:} لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [5] .
ولو كان العبد مجبرًا على الفعل لكان مكلفًا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل، ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل، أو إكراه، فلا إثم عليه لأنه معذور.
4 ـ أن القدر سر مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، وإرادة العبد لما يفعله سابقة لفعله، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علم بقدر الله، فادعاؤه أن الله
(1) مجموع الفتاوى (8/ 179) ، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 858 - 859) .
(2) سورة الأنعام، الآية: 148.
(3) سورة النساء، الآية: 165.
(4) سورة التغابن، الآية: 16.
(5) سورة البقرة، الآية: 286.