أما إن قال تركي: أنا لا أذم الماضي لمجرد كونه ماضيًا، وإنما أذم ثقافتنا لأنها اتخذت الماضي مثالًا ومقياسًا تقيس به حياتها.
فأقول: هذه أشد وأدهى ?لأنك عبتنا لأننا نتخذ من ديننا ميزانًا لأقوالنا وأعمالنا، ومعنى هذا أنك تطالبنا بأن نتنكر للإسلام ولا نؤمن به ولا نلتزم بأوامره وننتهي عن نواهيه، وهذا كفر مخرج من الملة ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ.
ثم أخبرك أنت وأمثالك ممن يدعي أن الالتزام بالإسلام مما يعوق الأمة عن التقدم، وهو ما تلمحون إليه ولا تصرحون، أخبرك بأن هذه شبهة باطلة، لأن دين الإسلام يدعو إلى اتخاذ كافة الوسائل المشروعة للارتقاء بأهله في سلم الحضارة المادية فالله يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [1] .
وهذه القوة تشمل كل أمر دنيوي يرقي الأمة، ويجعل أعداءها يهابونها ويقدرونها ولا يستهينون بها، من اعتناء بالتقنية الحديثة، والصناعات المتنوعة. . . الخ الأمور المادية التي ترهب العدو وتُعز الأمة.
فهل عارض الإسلام (الصحيح) يومًا ما مثل هذا؟ هل عارض الإسلام مثلًا انشاء المصانع وتشييد الآت الحرب أو النقل وتطوير وسائل الاتصال المتنوعة؟
لا. . لم يعارض هذا، وإنما عارض أن ينتشر الفساد الفكري والأخلاقي في ديار الإسلام تحت دعاوي (التقدم) و (التطور) ، وهو ماتسعى إليه أنت وأضرابك!.?
ثم قال تركي واصفًا ثقافتنا بالصفة الثانية: وهي أنها (اسطورية في مقابل الواقعية) [2] !
ومعنى هذا عنده (أن ما يُميز الثقافة العربية في هذا المجال هو ميلها إلى"أسطرة"الوقائع التاريخية إن صح التعبير بشكل أكبر، وخاصة في أعقاب ما يُسمى بعصور الانحطاط وحتى هذه اللحظة تقريبًا، إذ أن"الثبات"هو أيضًا من خصائص الثقافة العربية على اختلاف وجوهها ومستوياتها وتفرعاتها وذلك في ما يتعلق ببنيتها الأساسية. فالعقل العربي(من ثم الثقافة العربية) يميل إلى أن يصبغ أحداثًا تاريخية معينة بـ"الفرادة"
(1) سورة الأنفال، الآلية: 60.
(2) الثقافة العربية. . (ص 32) .