أما نحن المسلون فيغيظك ـ يا تركي ـ أننا نتبع أفضل رسول بعثه الله إلى الناس، بخير رسالة نزلت فيهم، فتزعم أن هذا مما يعيبنا ويعيب ثقافتنا.
فلا حول ولا قوة إلا بالله.
أما إن زعمت بأن ثقافتنا (الماضوية) قد دخلتها البدع والخرافات، فليس الحل بأن ننسلخ من جميع هذه الثقافة ونلغي ارتباطنا ـ والعياذ بالله ـ وإنما الحل يكون بتطهير هذه الثقافة من البدع والزيادات فيها، والدعوة إليها صافية نقية كما أُنزلت على محمد - صلى الله عليه وسلم -.
ثالثًا: نقول لك بأن الماضي ـ سواء كان زمانًا أو أفعالًا أو أقوالًاـ لايذم لأجل أنه (ماضي) فهذا لا يقوله عاقل، وإلا لذممنا كل مامر من حياتنا ولو للحظات. فحياتنا الماضية مذمومة، وحياة آبائنا مذمومة، وحياة آبائهم مذمومة. . . وهكذا، وهذا ـ كما سبق ـ لا يقوله عاقل.
فالذي يوصف بالذم هو ما وقع في هذا الماضي من أقوال أو أفعال ذميمة، أما الأقوال والأفعال النافعة فهي مما يمدح أينما وقعت، سواءً في الماضي أم الحاضر، والله سبحانه قد آثنى على أمم قد عاشوا في الماضي لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات فقال: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [1] .
وعاب أممًا عاشوا في (الماضي) لأنهم كفروا وعملوا السيئات، فأهلكهم، وقال عنهم: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [2] .
الحاصل: أن صفة (الماضوية) ليست صفة ذم مطلقًا وليست ـ أيضًا ـ صفة مدح مطلقًا، وإنما الذم والمدح يتبع الأقوال والأعمال، فما كان من الأقوال والأعمال نافعًا يرضاه الله فهو ممدوح في أي زمانٍ كان، وما كان منها ضارًا لا يرضاه الله فهو مذموم في أي زمان كان.
(1) سورة يونس، الآية: 98.
(2) سورة النحل، الآية: 52.