فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 272

وإيضاحه أنك إذا قلت: إن كَلمْتِ زَيدًا إنْ رأيْتِه فأنتِ طالقٌ جعلت الطلاق جزاءً على كلام مقيد بالرؤية لا على كلام مطلق وكأنه قال إنْ كلَّمتِه ناظرةً إليه فَأنتِ طالق) [1] .

وقد استفاد الزركشي من فكرة الرضى عن الفاء ومن حديث ابن القيم عن الوجود تقدما وتأخرا وجعل هذا ضوابط للمسألة [2] وردد السيوطي ما عند أبي حيان [3] .

نستطيع أنْ نقول إنَّ هذا الخلاف الذي نجده في هذه القضية إنما هو امتداد للخلاف الأساسي حول جواب الجزاء من حيث التقديم والتأخير، ورأينا أن الفريقين يتحدثان عن تركيبين مختلفين أحدهما تركيب الجملة الشرطية المكونة من عبارتين عبارة شرطية وعبارة جوابية، والتركيب الآخر هو جملة خبرية ملحقة بها عبارة شرطية تقيد معناها. وفي هذه القضية نحن أمام رأيين - كما رأينا - أحدهما يجعل الجواب للشرط الثاني وهو وشرطه جواب للأول، ورأينا الرضى يشترط الفاء للتعبير عن هذا المعنى وابن القيم يقدرها إذا لم تكن موجودة، وهما بهذا يعيدان التركيب إلى حظيرة النمط الأساسي للجملة الشرطية ذات العبارتين (الشرطية والجوابية) ، أما الرأي الآخر فهو الذي يجعل الجواب للأول وهو جوابه جواب للشرط الثاني. ولا بأس أن يكون الجواب متقدما، أو الجواب محذوفا عند البصريين، وبهذا يحافظون أيضا على الرتبة في الجملة الشرطية. ومهما يكن من أمر فإن الدرس يظل يقبع في ميدان الشكل دون سبر الدلالة للخلوص منها إلى فهم أعمق للشكل، وقد حاول ابن القيم شيئا من ذلك حينما ذكر مسألة الوجود والترتيب فيه، وهذه قضية زمنية ولكنه صاغها بطريقة منطقية صارمة، حيث وصل إلى قسمة منطقية لا يرتضيها الواقع اللغوي المتسم بالمرونة والحيوية، فقد ذهب إلى ما هو سابق الوجود ومتأخر في الوجود، وما هو متعادل. ولكنه أصاب حينما ذكر في موضع آخر أن الشرط الثاني قيد للأول والجواب لهما.

المهم أن المرجع في هذه القضية لابد أن يكون إلى الدلالة، وهي وحدها التي تحدد أركان جملة من الجمل، فقد تتوإلى العبارات الشرطية ويكون لها جواب واحد، وسنمثل بمثال فرضي:

-إنْ تَلْعَبْ إنْ تَلْهُ إنْ تَغْفَلْ تَفْشَلْ في امتحانك.

فكل هذه الشروط هي أمثلة لما يمكن أن يسبب فشلا.

-إنْ تَدْخُلْ إنْ تَخْرُجْ يُشَاهِدْك الحارس.

فهذه الشروط يراد بها أن الحارس يقظ متنبه على أي حال.

-إنْ تَزُرْنِي إنْ تَجِدْ وَقْتًا أَزرْك.

فالزيارة المشروطة مقيدة وليست مطلقة، مقيدة بوجود الوقت، كأنك تقول: إنْ تَزُرْني متى تَجِدْ وقتا أَزُرْك.

-إنْ دخلْتَ الغُرفَةَ إنْ وَجَدْتَ الكتابَ فهو لك.

(1) ابن القيم، بدائع الفوائد 3: 247 - 248.

(2) الزركشي، البرهان 2: 313.

(3) السيوطي، همع الهوامع 2: 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت