فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 137

الهشيم. فشاور عمر الصحابة والمهاجرين والأنصار، ومشيخة قريش، وانتهى الرأى إلى رجوع عمر بمن معه، بعد أنهم عن مواطن الخطر. فقال أبو عبيدة بن الجراح: اتفر من قدر الله يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! نعم افر من قدر الله إلى قدر الله. وقد جاء بعد ذلك عبد الرحمن بن عوف - وكان غائبا - فروى لهم ما سمعه من رسول الله صلي الله عليه وسلم في الطاعون أنه قال:"إذا سمعتم بالطاعون في أرض، فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه" [1] .

وأما ما يتمسك به بعضهم في نفى (سنة العدوى) وهو حديث:"لا عدوى" [2] ، فالمراد: أن الأمراض لا تعدى بذاتها، بل بتقدير الله تعالى. وسنته في الكون والحياة، فقد ربطها بشبكة من الأسباب والمسببات. وهذا هو الفهم السديد حتى لا نضرب النصوص بعضها ببعض.

وهذا هو الموقف الشرعي السليم من (انفلونزا الخنازير) التي يتحدث العالم عنها اليوم. وهو وجوب الاحتراز وضرورة الوقاية منها، دون أن نعطل الدنيا أو الدين.

وهي القاعدة التي تحدَّدت بالمادة رقم (3) من المجلة، وهذه القاعدة: تعبر عن وجوب دفع الضرر قبل وقوعه، بكل الوسائل الكافية والكافلة، وفقا لقاعدة المصالح المرسلة، والسياسة الشرعية؛ لأن الوقاية خير من العلاج، بل قال بعضهم: درهم وقاية خير من قنطار من العلاج، وفي الحديث الشريف:"ومَن يتوقَّ الشرَّ يوقه" [3] .

ومن هذا أخذت قاعدة (الدفع مقدم على الرفع) ، أي بدل أن تبذل الجهد والوقت والمال لإزالة الشر، حاول أن تمنعه قبل وقوعه. بدل علاج الإدمان من المسكرات والمخدرات، نمنعها أساسا.

وذلك بقدر الإمكان، لأن التكليف الشرعي على حسب الوسع، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [286] ، وقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ، وحكى القرآن عن سيدنا

(1) - متفق عليه: رواه البخاري في الطب (5729) ، ومسلم في السلام (2219) .

(2) - متفق عليه: رواه البخاري في الطب (5717) ، ومسلم في السلام (2220) ، عن أبي هريرة.

(3) - رواه ابن أبي الدنيا في الحلم (2) ، والخطيب في تاريخ بغداد (9/ 127) ، عن أبي هريرة، والخطيب في تاريخ بغداد (5/ 201) ، عن أبي الدرداء، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (2328) ، وفي الصحيحة (342) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت