فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 137

الصحية اللازمة بمنع انتشار المرض، وخصوصا في حالات الأوبئة، التي تهدد الملايين، إذا لم تواجه بالأحتياطات الوقائية الكافية.

يؤيِّد ذلك تحذيره صلى الله عليه وسلم من انتشار العدوى، وفق سنة الله في الكون والناس. كما صح في الحديث:"فر من المجذوم فرارك من الأسد" [1] ، وفي صحيح مسلم: أن وفد ثقيف حين وفد عليه صلى الله عليه وسلم من الطائف، كان فيهم رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلي الله عليه وسلم:"ارجع فقد بايعناك!" [2] .

بل قد شملت التوجيهات النبوية للاحتراز من العدوي الإنسان والحيوان جميعا، فقال عليه الصلاة والسلام:"لَا يُورَد مُمْرض عَلَى مُصِحٍّ" [3] ، والممرض: صاحب الابل المريضة، والمصح: صاحب الإبل الصحيحة. ومعنى (يوردها) أى عندما يأتي بها إلى الأحواض لسقيها، لا يخلط المريضة بالصحيحة، فتنقل إليها المرض بالاحتكاك والعدوى، يتأذي الحيوان، ويضيع المال بسبب التفريط والإهمال.

وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي خزامة، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت دواء نتداوى به، ورقى نسترقي بها، وتقى نتقيها، أترد من قدر الله تبارك وتعالى شيئا؟ قال:"إنها من قدر الله تبارك وتعالى" [4] . فكان جوابه عليه السلام جوابا حاسما، وضع الحقيقة في موضعها. وبين أن الأسباب من قدر الله، كما أن المسببات من قدر الله. والله قدر المسببات بأسبابها، وجعل من سنته دفع قدر بقدر، فيدفع الإنسان قدر الجوع بقدر الغذاء، وقدر الداء بقدر الدواء. ويدفع قدر الأعداء المتربصيين بقدر إعداد العدة لهم، وكل من الدافع والمدفوع قدر الله.

وحينما ذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى الشام ومعه عدد من الصحابة، وعلم أن بالشام وباء مُخيفا، هو الطاعون الذي إذا نزل بقوم انتشر فيهم انتشار النار في

(1) - رواه أحمد (9722) وقال مخرجوه: صحيح، وهذا إسناد ضعيف، والبخاري تعليقا (5707) مجزوما به، والبيهقي في النكاح (7/ 135) ، صححه الألباني في الصحيحه (783) ، عن أبي هريرة.

(2) - رواه مسلم (1043) ، وأبو داود (1642) ، كلاهما في الزكاة، والنسائي في الصلاة (460) ، وابن ماجه الجهاد (2867) ، عن عوف بن مالك.

(3) - متفق عليه: رواه البخاري في الطب (5771) ، ومسلم في السلام (2220) ، عن أبي هريرة.

(4) - رواه أحمد (15472) وقال مخرجوه: إسناده ضعيف، والترمذي (2065) وقال: حديث حسن، وابن ماجه (3437) كلاهما في الطب، وقال الألباني ضعيف، ورواه البيهقي في الاعتقاد صـ 141 وقال: والذي يشهد لهذا الحديث بالصحة قوله صلى الله عليه وسلم:"كل ميسر لما خلق له". فهو إذا تداوى أو استرقى أو اتقى فبتقدير الله وتيسيره أمكنه ذلك، ولو لم يقدره لم يتيسر منه فعل ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت